مكان تال يسم زمانه بأنه زمان ليس فيه سوق للأدب ولا محبون له « 1 » ، وفي موضع خامس يبدو قريبا من حافة اليأس التام ، وقد خطرت في ذهنه المفارقة بين رؤساء الزمان القديم ورؤساء اليوم فقال « 2 » : « كان ملوك الدّهر الأول وكذلك الخلفاء ، يراجعون الحديث وينازعون الكلام ، ويسألون عن علل الرأي المقول به والحكم المصير إليه ، فكانت الحكم تنثر عنهم ، والفوائد تنشر منهم ، والدعاء يكثر لهم ، والثناء يحسن عليهم . وإنك ترى زمانك فاسد المزاج ، أبيّ الخير ، معدوم الفضل ، قليل الناصر ، بعيد المنعطف ؛ لا جرم واللّه الموت متمنى ، والحياة مقلية ، واليأس واقع ، والرجاء بلاقع » .
يستخلص من هذا كله أن التوحيدي شرع في كتابة كتابه دون راع يرعاه ، وأنه في مرحلة ما من الكتاب قد أمل في أن يجد هذا الراعي المشفق والرئيس الكريم ، إلا أن أمله خاب ، وظل الكاتب يتابع تصنيف أجزائه ، تنفيذا للجانب الأكبر من خطة وضعها ، مقتنعا بها متحمسا لها ، ثم أخذ الكلل العارض يتسرب إلى نفسه ، في وقت دون آخر ، فكان ينفس عن ضيقه بالشكوى .
زمان تأليف الكتاب
يدل حديث أبي حيان في مقدمته على الجزء الأول أنه بدأ يدوّن ملاحظاته لكتاب البصائر منذ سنة 350 للهجرة . وقد روّجت الطبعتان الأوليان للجزء الأول من هذا الكتاب « 3 » ، أن أبا حيان شرع في كتابة كتابه سنة 365 ، وبدا أثر ذلك في معظم ما ظهر من دراسات حديثة عن أبي حيان « 4 » ، ولكنّ هذا
هامش
( 1 ) ضمن مقدمة الجزء الرابع .
( 2 ) الجزء الأول ، الفقرة : 425 .
( 3 ) طبعة أحمد أمين وسيد صقر ( القاهرة : 1953 ) وطبعة عبد الرزاق محيي الدين ( بغداد :
1954 ) .
( 4 ) انظر الحاشية رقم : 2 من ص : 229 .