تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البصائر والذخائر — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
كتابه ، وإنما المخاطب بهذه المقدمة في الأرجح هو القارئ دون سواه . وينطبق هذا الأمر على مقدمة الجزء الثاني ، فإذا وصلنا إلى الجزء الثالث ، ظهرت إشارات توحي أن التوحيدي تمكّن من إيصال الجزءين الأولين إلى رجل ثري أو ذي نفوذ يقتني مكتبة عامرة ، وأن هذا الرجل قد أعجب بالجزءين ، وأن حوافز الأمل بأن يقوم الرجل بإعانة التوحيدي على إتمام الكتاب قد استثيرت لديه ؛ قال في مقدمته على هذا الجزء : « هذا - حرسك اللّه - الجزء الثالث ، وقد سار إلى خزانتك الجزءان قبله ، ولولا حسن موقعهما ، وبهاؤهما في عينك ، وتقريظك لهما بلسانك ، وإعجابك بهما باستحسانك ، لكان نشاطي يقلّ ، وحدّي يكلّ . . . ولكني أحمد اللّه الذي زيّنك بتعرّف المعارف ، وجعل ظلّك فيها الظلّ الوارف ، حتى خفّ عليك الغرم الثقيل ، وبذل المال الجزيل ، وإكرام العلم وأهله ، وتعظيم الفضل وأربابه ، فلا زال نصيبك من محبة العلم فوق نصيبك من محبة المال ، وقسطك من التعلم فوق قسطك من الدعوى ، وقد جبلك اللّه على خلق لو باهيت به قرناءك ، وساجلت عليه عشراءك ، لكان لك السبق المبرّ ، والخالصة والسّر » . أما من هو هذا الرجل فأمر يعزّ تحديده ؛ كما يعسر علينا استنتاج أية علاقة نشأت بينه وبين المؤلف ، ولعلّ هذا « الراعي » الذي أسبغ عليه التوحيدي ذلك الثناء أن يكون « أمنية » مثالية ، خطرت له ، على ضرب من « التخييل » . ومما قد يؤكد ذلك ، أن التوحيدي يشكو في مقدمة ما اعتبرته الجزء التاسع من كتابه أنه عدم من أهل زمانه « رئيسا يرغب في المكارم ، ويتشوّف إلى المحامد ، ويرى اصطناع الجميل كنزا » فيعينه على « تمام الكتاب ، رغبة في الذكر ، وتوخيا للثواب » ، كما أنه في مقدمة الجزء السادس منه يتحدث عن « ضيق الصدر ، وغروب الصبر ، وخفة ذات اليد » ، وفي مكان آخر يتكلم عن « خيانة الدهر » في « فقد حبيب تقرّ به العين ، وصلاح حال تسكن النفس إليه » « 1 » ؛ وهو في
هامش
( 1 ) الجزء الخامس ، الفقرة : 451 .
البصائر والذخائر — صفحة 232 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / وداد قاضي