الصحّة ، والفاعل هو الطّبيب المعالج ، والغرض الذي بسببه يفعل الطبيب إنّما هو بقاء « 1 » جسم المعالج المدة التي تتهيّأ له أن يبقاها ، والشيء الذي يتخذه الطبيب آلة في المعالجة وإفادة الصّحّة هو كالفصد وسقي « 2 » الأدوية . فإذا نقل هذا المثال إلى صناعة السّياسة قلنا : إنّ المادة فيها أمور الرّعية التي يتولّى الملك القيام بها ، والصورة فيها إنّما هي المصلحة التي ينحو نحوها وهي نظير الصّحّة ، لأنّ المصلحة هي صحّة ما ، والصّحّة مصلحة ما ، وكذلك المفسدة سقم ما ، والسّقم مفسدة ما ، والفاعل هو عناية الملك بما يباشره من أمور الرعيّة ، وغرضه فيما يفعله هو بقاء المصلحة ودوامها ، والشيء الذي يقوم له مقام الآلة في صناعته إنّما هو التّرغيب والتّرهيب . وفعل السّائس الذي هو نظير المعالجة من الطّبيب ينقسم بكلّيّته إلى قسمين : أحدهما التّعهّد والآخر الاستصلاح ؛ أما التّعهّد فحفظ المستقيم وأمور الرّعيّة على استقامة وانتظام « 3 » من الهدوء والسّكون حتى لا يزول عن الصّورة الفاضلة ؛ وأما الاستصلاح فردّ ما عارضه منها الفساد والاختلال إلى الصّلاح والالتئام . ونظير هذا التّعهّد والاستصلاح في صناعة السّياسة من صناعة الطّبّ - التي هي سياسة الأجساد - حفظ الصّحّة وإعادة الصحة ، وكما أنّ الطّبّ كلّه مدرج في هذين البابين ، كذلك السّياسة كلّها مدرجة في نظيريهما ، يعني التّعهّد والاستصلاح .
476 - وصف أعرابيّ نفسه بالحفظ فقال :
كنت كالرّملة لا يقطر عليها شيء إلّا شربته .
شرح
476 ربيع الأبرار 3 : 288 .
هامش
( 1 ) ل : بناء .
( 2 ) ل : وشرب .
( 3 ) ل : وانتظار .