ومن يتتبّع جاهدا كلّ عثرة * يصبها ولا يسلم له الدهر صاحب
فكتب إليه الوليد : قد فهم أمير المؤمنين كتابك فما أحسن ما اعتذرت به ، وحذوت عليه ، وأنت الصّادق في المقال ، الكامل في الفعال ، وما شيء أشبه بك من اعتذارك ، وما شيء أبعد منك من الشيء الذي قيل فيك ، والسلام .
227 ب - روى هذا ثعلب في « المجالسات » ، وكان أبو بكر ابن مقسم « 1 » يرويها ،
وسمعتها وهي تقرأ عليه سنة اثنتين وخمسين ، وعاش بعدها مدة ، وكان شيخا مكفوفا حين لحقته ، ولم أر شيخا أوطأ منه ولا أهدأ ، وله قراءات اختارها وأنكر الناس عليه ذلك ، وله ملحمة ، وأكثر الناس يقولون : ظلم في هذه القصّة كما ظلم ابن شنبوذ « 2 » حين آذاه ابن مجاهد ، وذلك أنّ ابن شنبوذ وابن مقسم لم يقرءا ما قرءا إلّا بالأثر والحجّة والرّواية ، ولم يخترعا ولم يختلقا ، ولم ينزل اللّه تعالى اختيار ابن مجاهد من السماء ، وإنّما اجتهد كما اجتهد من تقدّم ، فليت شعري ما الذي هاجه على محاربة ابن شنبوذ حين قرأ إن تعذّبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنّك أنت الغفور الرّحيم ( المائدة : 118 ) مكان : العزيز
هامش
( 1 ) هو أبو بكر محمد بن الحسن بن يعقوب العطار المقرئ ( 265 - 354 ) ؛ كان من أرف الناس بالقراءات ، ولكنه عمد إلى حروف خالف فيها الإجماع وشاع ذلك عنه فأنكره أهل العلم ، وارتفع الأمر إلى السلطان فأحضره واستتابه بحضرة القراء والفقهاء فأذعن وكتب محضرا بتوبته ، وقد تولى ابن مجاهد أمر الإنكار عليه واستوهب تأديبه من السلطان عند توبته ، ثم عاود القول بما أظهر الإقلاع عنه ( الفهرست : 35 ومعجم الأدباء 18 : 150 - ط . دار المأمون - وبغية الوعاة : 36 ) .
( 2 ) ابن شنبوذ هو أبو الحسن محمد بن أحمد بن أيوب البغدادي ، كان من مشاهير القرّاء ، تفرد بقراءات من الشواذ فأنكرت عليه ، واعتقله أبو علي ابن مقلة سنة 323 ، وبعد أيام نوظر بحضرته فأغلظ الكلام للوزير والقاضي وأبي بكر ابن مجاهد ونسبهم إلى قلة المعرفة ، فضرب ، واستتيب وكتب عليه محضر برجوعه عن ما كان يقرؤه ، وكانت وفاته سنة 328 ووفاة ابن مجاهد سنة 324 ( وفيات الأعيان 4 : 299 - 301 ، وانظر الحاشية ) .