تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البصائر والذخائر — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
كيف يثبون ويأشرون ، ويبطشون وينتقمون ، ويتظالمون ، حتى كأنّهم لم يشهدوا من دهرهم فقد حميم ، ولا اختطاف عزيز ، ولا ابتذال ذخر ، ولا ارتجاع موهبة ، ولا هدم بنيّة ، ولا قطع أمنيّة ، ولا حلول قارعة ، ولا زوال ملك ، ولا عثار مستمرّ ، ولا انتكاس متطاول ، ولا خرس منطق . خالق الخلق أعلم بما أودع طينتهم ، ومزج به أرومتهم ، وقصر عليه طباعهم ، وبعث إليه أبصارهم ، وكتب عنده آثارهم ، وأحصى عددهم ، وتابع مددهم ، ورتّب كلا مرتبة إن تجاوزها هلك ، وإن قصّر ليم ، وإن ثبت عندها نجا ؛ له الملك والعظمة ، والقدرة والسطوة ، والحكمة واللّطف والنّعمة ، والعفو والرحمة ، فإيّاه نسأل خير ما عنده ، وإليه نفزع من شرّ ما عندنا ، إنّه صارف الشرّ عنّا ، وموصل الخير من لدنه إلينا ، وهو على ما يشاء قدير ، وبجميع عباده خبير بصير ، يجمع بين المحروم والمرزوق في شرك الاختبار ، ويؤلّفهم في نظام الأمر والنّهي ، ويطالبهم بالصبر والشكر ، ويمدّهم باللّطف والرّفق ، ويضمن لهم الربح والنجح ، ويدّخر لهم الخلاص والثّواب . فاعتبر أيّها السّامع أفاعيله ، وتصفّح حقائقه ، واستجل أسراره ، واستنّ حكمه ، وتزود الشّكر على أوائل إحسانه إليك ، وفواتح إنعامه عليك ، واجعل المتجلّي منها مثالا لما خفي ، والخافي مسلّما بما وضح ، فإنّ هذا الاعتبار يثمر لك عاقبة الحمد ، وينزلك دار الصّدق ، وينقلك إلى عالم الحقّ ، ولا يغرنّك ما أنت به باق هاهنا ، فإنّ البقاء هاهنا فناء ، إلّا أنّ فناءك هنا بقاء هناك ، ومتى لاح لك الرّمز والحقّ الذي يتضمنه ، صرفت سعيك وجدّك وتشميرك واستعدادك ، وزادك إلى حظّ أنت به باق وثابت معه ، ولست تفهم هذه المعاني ، ولا تطّلع على هذه المعالي ما دمت أسير ما تراه عينك ، وتلمسه يدك ، وتتمنّاه شهوتك ، لا واللّه حتى تتخلّى منك ، أعني من جلبابك وقشرك وغشائك ، نعم وحتى تتعرّى من جسدك ، أعني من جوانحه وزينته وكرامته ، وتأخذ ممّا لا بدّ لك منه ، مكرّما بذلك ذاتك ، ومهينا لما دنّسك وأهلكك .