فلا يسطيع إلهاب المذكّي * لدى الغايات أفلاء المهار
يسطيع إسطاعا لغة ، فلا تنكر الضّمّ في الياء ، فإنّه يقال : اسطاع يسطيع إسطاعا ، واسطاع يسطيع اسطياعا ، واستطاع يستطيع استطاعة ، والاستطاعة : طلب الطّاعة .
478 ب - والاستطاعة عند المعتزلة قبل الفعل ، زعموا ،
كما أن العين قبل الإدراك ، واليد قبل الضّرب . وقال خصومهم : الاستطاعة مع الفعل ، وبعض مجّان المتكلّمين يقول : بعد الفعل ، والحقّ من ذلك أنّ الاستعداد والتهيّؤ قائمان بالإنسان التامّ المزاح العلة ، فإذا أنشأ الفعل تقدّمته همّة ، وبعثته إرادة ، وساعدته قوة ، وتمّمته استطاعة ، فبانتظام هذه القوى فيه ، وانبعاثها منه ، والتصاقها به ، سمّي قادرا ، ومرّة مستطيعا ، ومرّة قويّا ، والصّفات تعتوره من بعد على قدر درجاته في هذه الأحوال ، وهذه القوّة والاستطاعة هي عواريّ عند الإنسان ، تزداد مرة بامتداد المعير ، وتنقص على ذلك التّقدير ، ولهذا لم يكن الإنسان قادرا على الإطلاق ، ولا عاجزا على الإطلاق ، بل كان وعاء لهما ، محمولا عليهما ، ولو عري من القدرة رأسا لما كلّف ، ولو ملك الاستطاعة رأسا لما لجأ إلى اللّه ولا تضرّع ، فهو بين قدرة من أجلها أمر ، وبين عجز من أجله اضطرّ وعذر ، ولو كان مستطيعا على الحقيقة لبطر وأشر ، ولو كان عاجزا على الحقيقة لما كلّف ولا أمر ، فسبحان من خلق هذا الخلق ، وصرّفهم على الكمال والنّقص ، وضربهم بالسعادة والنّحس ، وألجأهم إلى النّفس والحدس ، ليعرفوا بكمالهم كمال مكمّلهم ، ويعرفوا بنقصهم استئثار مدبّرهم ، فيعتمدوا عليه ، ولولا هذا التدبير المنطوي على الحكمة ، الجاري على نظام العقول السّليمة ، لكانت قدرتهم تنسيهم عجزهم ، وإذا نسوا مواضع العجز فتنوا بمواضع القدرة ، ألا ترى أنّ الخلق مع تعاور الآفات عليه ، وتسارع النّكبات إليه ، وتحكّم البلاء فيه ، وتفسّخ عزائمه وتداعي أواخيه ،