واعلم أنّ بقاءك بصفائك ، وصفاءك بتفاني هذه الأشياء عنك ، واعلم أنّ فناءك بكدرك ، وكدرك بتعاور هذه الأشياء عليك ، فانج ما كنت على جوادك ، فيوشك أن يعثر بك فيلقيك في هوّة لا تنتعش منها أبدا ، فإن باشرت الشكوك بقلبك ، وطرحت المواعظ عن سمعك ، وثقلت النّصائح على عقلك ، فاعلم أنّك ميت وإن كنت في مسك حيّ ، وعليل وإن كنت في ثياب صحيح ، ومخذول وإن تتابع لك النّصر ، ومحروم وإن اتّسع عليك الرّزق ، ومحبوس وإن كنت في صورة مسيّب ، ومرحوم وإن كنت في ظاهر مرضيّ عنه ، ومعذّب وإن طال بك الاستمتاع ، فعليك السلام ، فقد وقع اليأس منك ، وانقطع الرجاء عليك ، وما أحوجك عند هذه العاقبة إلى نائحة تبكي [ عليك ] ، وتندب شبابك ، وتعدّد محاسنك ، وما أخوفني أنّك إلى الشماتة بك أقرب ، وبالانتقام بك أحقّ ، لأنّ من عشي عن الذّكر ، وألف إهمال الفكر ، وأغفل حقّ النّعمة بالشّكر ، وسكن مساكن الظالمين ، ووقف مواقف العائدين ، وتجاهل وهو يعلم ، وتعامى وهو يبصر ، وتغافل وهو يدري ، وتشكّك وهو يتيقّن ، وتمارض وهو صحيح ، وتناكر وهو عارف ، حقيق بأن يشمت به العارف بحاله ، المطّلع على أمره .
اللهمّ لا ترسلنا من يدك ، ولا تبلنا بكيدك ، وكن بنا أرأف منّا ، إنّك أهل ذلك ، واللّاطف به .
478 ج - افترّ هذا الحديث الطويل عن تفسير قوله :
يسطيع ، ولو نهلت على حسب إرادتي لأفردت هذا الكلام عن المكان وتثبّت فيه ، ولما قنعت له بخاطر عابر ، وهاجس سانح ، ولفظ لم يخدمه التّنقيح ، ولم يشقّق عليه الرأي ، ولم يستعن عليه بالسّهر ، ولم يجتلب إليه المعنى المبيّت المخمّر ، وعلى هذا جرى الكتاب من أوّله ، واللّه تعالى أسأل بلوغ آخره ، مشفّعا بالقول والعمل ، غير مغترّ بامتداد أجل ، واختيال أمل .