فقيل : إنّ داره موقوفة في يد أمين القاضي ، فرجعت إلى الأبلّة والمال معي ، فبينا أنا ذات يوم جالس إذ وقف على رأسي رجل فقال : أنت فلان ؟ قلت :
نعم ، قال : وخرجت إلى الصين ؟ قلت : نعم ، قال : وبعت رجلا هناك رصاصا ؟ قلت : نعم ، قال : أتعرف الرجل ؟ فتأملته ، فقلت : أنت هو ، قال : أعلمك أنّي قطعت تلك الرصاصة لأستعمل شيئا منها فوجدتها مجوّفة ، ووجدت فيها اثني عشر ألف دينار ، وقد جئت بالمال فخذ مالك عافاك اللّه ، فقلت له : ويحك ، ليس المال لي ، ولكنّه كان من خبره كذا وكذا ، وحدّثته ، قال : فتبسم الرجل ثم قال : أتعرف الشيخ ؟ قلت : لا ، قال : هو عمّي وأنا ابن أخيه ، وليس له وارث غيري ، وأراد أن يزوي هذا المال عنّي ، وهو هرّبني من البصرة سبع عشرة سنة ، فأبى اللّه تعالى إلّا ما ترى على رغمه ؛ قال : فأعطيته الدنانير كلّها ومضى إلى البصرة فأقام بها .
474 - حدّثنا القاضي أبو حامد قال :
كان لي عمّ بمرورّوذ ، وكان وجيها في البلد ، وكان شديد المقت [ لي ] فاحش الإعراض عنّي ؛ واتفق أنّي حضرت بعض العشيّات مجلس رئيس البلد ، ودخل عمّي بعدي وكنت في كلام ، فسمع بقيّة ما كنت فيه ، فقال للرئيس : من هذا الفتى الكامل الفاضل ؟ فو اللّه ما رأيت أحدا في سنّه أكثر عقلا ، ولا أحسن كلاما منه ، وإنّما أنكرني لاختلاط ظلام الليل ، فقال الرئيس : إنّه أبو حامد ، قال : ومن أبو حامد ؟ قال : ابن أخيك ، قال : لعنه اللّه وقبّحه ، فما أعرف نسمة أبغض منه إليّ ، وإنك لو عرفت باطنه لما استحسنت ظاهره ، ونهض متلوّيا من حسد ثار به ، ومناقضة أتى بها ، وحال فجأته ، وكامن ظهر عليه . وكان القاضي أبو حامد يحدّثني بهذا العمّ ، وكان شديد العداوة ، قاطع الرّحم ، قبيح الجفاء ، وكان يقول : واللّه لا ورثتني ، ولأهبنّ مالي لبختيار - وكان أمير بغداد - ولساسته ، ولا أتركه لك ، ثمّ أبى اللّه ذلك .