ولقد رأيت رئيسا قد كتب « ربأت » مكان « رأبت » فلما نبهته أنف من كلامي ، وعدل إلى الحيلة فقال : يقال رأبت كما قلت أنت ، وربأت كما كتبت أنا ، وهو مثل حديث جندب . فلما وقفت على سوء صحبته للأدب ، وجنوحه إلى القحة ، وظنّه أن هذا يشكّكني في صوابي ، ويدفع عنه ما لحقه من هجنة الردّ ، أمسكت إمساك متعجّب ممن يتجاهل على علم ويتغاضى عن بصيرة ، ويوطئ نفسه العشوة ويكذّب عقله . وهذا داء فقد طبيبه ، وعلة أعوص علاجها بالناس ، ومن كان كذلك لم يؤمن على مال ، ولم يوثق به في حال .
وأما الشّوب فالخلط ، ومنه شاب الرجل إذا ابيضّت لحيته كأنه خلط سوادا ببياض ، وكأنه الأشمط ، هذا لازم ؛ فأما إذا أردت شبت شيئا بشيء فذاك على التّعدّي ، والفرق بين شبت - بضم الشين - وشبت - بكسر الشين ، فقد وضح فيما مضى ؛ والشّوائب جمع شائبة ، وتقول : هذا صاف وهذا مشوب ، وسمعت قوما يقولون : العالم مشوب ، فاستزدتهم فقالوا : نعم ، بالخير والشرّ ، والحق والباطل ، والصلاح والفساد ، والحسن والقبيح ، والحجة والشبهة ، والراحة والتعب ، والنجوة والعطب ، والسرور والحزن ، والنجاح والخيبة ؛ قالوا : وهذا على الترتيب يدل على أمر عجيب ، وقال اللّه عزّ وجلّ
وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
« 1 » ( الذاريات : 49 ) .
وأما الصّوب فهو صوب الغمام ، وكنت أسمع البادية تقول لي إذا سألتها على الطريق والمسلك : خذ في ذلك الصّوب ، خذ في هذا الصّوب ، كأنهم يريدون الناحية ؛ وقلت : سمعت البادية ، هذا كثير من كلامهم وأنا جار على السماع .
وأما السهم فيقال فيه صاب يصيب « 2 » ، ولعل المصدر « صوب » ، وما أحقّه أي ما
هامش
( 1 ) موضع الآية بياض في ح ؛ وزدتها على أساس جمعه « لمثنيات » معينة في نطاق .
( 2 ) في اللسان ( صوب ) : وصاب السهم نحو الرمية يصوب صوبا ، ويقال أيضا صاب السهم الهدف يصيبه .