المروزي « 1 » الفقيه هذا فقال : ينبغي أن تكون لحيته جرجرى لأنها تتجرجر من ذقنه ، فضحك من نادرته . وكان قليل الهزل كثير الصّمت على ناموس المشايخ ؛ وسمعت ابن المرزبان يقول : لم أر أشدّ نفاقا منه ، فرغب في مال حصل عندي في سبيل من السّبل ، فانتقض معنى الوصيّة بعد وفاة الموصي ، ولم يكن إنفاذ ذلك المنصوص على الوجه المخصوص إليه ، فقال لي بعد كلام كثير : إن ضقت به ذرعا فسق المال إليّ حتى أتولاه عنك ، وخلاك إثم من اللّه ، فراعني ذلك وخرجت من عنده ولم أعد اليه ؛ هكذا قال المرزباني ، وكان عالما ثقة ، عاشرته واطّلعت على سرّه فما أنكرت شيئا ، وما أدري ما أقول بعد .
وأمّا ابن سيّار فإنّه حدثنا أنه « 2 » ورد الأهواز على القاضي التنوخي « 3 » بمرقّعة ، وأنّه أنزله وبرّه ، وكان أبو بكر لا يظهر عليه من إحسان التنوخي شيء ، ويشكو مع ذلك ويستزيد ؛ قال : فلما كثر ذلك قال له التنوخي : ما قصة هذا المروزيّ ، أما يكفيه ما يصير إليه من جهتنا ؟ قال بعض حاضري المجلس : أيها القاضي ، إنّ الرجل يتبع الصّبيان ، وشغفه فهو يحمله على تبذير ما ينال من جهة القاضي ؛ قال : فكره ذلك وأقبل عليّ في الخلوة فقال : أتعرف هذا الغلام بشيء ممّا قرفه به فلان ؟ قلت : أكره أن أهتك ستره ، وأكره أن أكذبك ، فقال : حسبك ؛ وطرده من المجلس .
هذا [ قول ] ابن سيّار ، وقد قضى ببغداد ، وكان نبيلا جليلا أديبا مفوّها ؛ وهذا أيضا عجيب ، وأصحابنا يقولون إنه بلغ من زهده في الدنيا أنه عرض عليه
هامش
( 1 ) ح : الرازي .
( 2 ) يعني أبا بكر المروزي .
( 3 ) القاضي التنوخي اسمه أبو القاسم علي بن محمد بن أبي الفهم ، ولد بأنطاكية سنة 287 وقدم بغداد سنة 306 وتفقه على مذهب أبي حنيفة وسمع الحديث وولي قضاء الأهواز وكورة واسط والكوفة ، وكان أديبا شاعرا معتزليا ، وكان ممن ينادمون الوزير المهلبي ، وتوفي سنة 344 ؛ ترجمته في وفيات الأعيان 3 : 366 ومعجم الأدباء 5 : 322 والجواهر المضيّة 1 : 372 ؛ وانظر حاشية الوفيات .