المحنة بالأقدار السّالفة ، والخفيّات السّماوية ، إلى العقل الذي به يعتدل كلّ مزاج ، وإليه يرجع كلّ علاج ، فركّب لي شربة أنا أتحسّاها وأتمزّز بها ؛ قيل له :
عرّفناها ، قال : هي مركبّة من أشياء : أوّلها أني قلت : القضاء والقدر لا بدّ من جريانه « 1 » ؛ والثاني أني قلت : إن لم أصبر فما أصنع ؟ والثالث أني قلت : يجوز أن يكون أشدّ من هذا ؛ والرابع [ أني ] قلت : لعلّ الفرج قريب وأنت لا تدري ؛ قال ، فقلت : أورثني هذا سكونا ، ووكل بي راحة ، وعلى اللّه أعتمد في تمام المأمول .
787 سمعت الشيخ المجتبى يقول :
كان عندنا بالشام مجنون يستظرف حديثه ، قال : رأيته يوما وقد رفع رأسه إلى السّماء وهو يقول : الناس كذا يعملون ، وهذيانا كثيرا ، فقيل له : ما تقول ويحك ؟ قال : أعاتب ربّي ، قيل له :
فكذا تخاطب اللّه ؟ قال : وما علمكم بمخاطبة الملوك ؟ قيل له : فما قلت ؟ قال ، قلت : بدل ما خلقت مائة وجوّعتهم كنت تخلق عشرة وتشبعهم .
وهذا كلام مجنون لا يحاجّ فيما يقول ، ولا يردّ عليه ما يأتي به ، وإنما يستطرف فقط لأنه يخرج منه ما لا يتوقّع من مثله . وعلى هذا يتعجّب من الصبيّ إذا أجاب وفطن واهتدى وتكايس ، ومن وهب اللّه له عقلا ، وكلّفه الإقرار ، وألزمه الأمر والنهي ، فهو صحيح العقيدة ، ثابت الأساس ، وإنما يخرج بطبعه الذي بني على العجز ، وعجن من الخور ، وأسّس للفناء ، وعلى أنّ اللّه تعالى لا يخليه في هذه الصفات من ثواب كريم ، ونعيم مقيم ، في دار الرّضوان ؛ كفانا اللّه تعالى وساوس الصّدور « 2 » ، وغمر أسرارنا بالمعرفة والخوف ، إنّه جواد كريم واحد أحد .
788 قيل لراهب :
ما لك إذا تكلمت بكينا ، وإذا تكلم غيرك لم
شرح
[ 787 ] نثر الدرّ 3 : 94 - 95 .
[ 788 ] العقد 3 : 228 ( عمر بن ذر يسأل أباه ) وربيع الأبرار 3 : 402 .
هامش
( 1 ) م : جريتهما .
( 2 ) م : النفس .