تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البصائر والذخائر — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
المتّقين ، فرفع طرفه إليه وعينه تقطر فقال : أنت هو يا حسن الوجه ؟ ثم وعظه فجعل يبكي حتى اشتدّ نشيجه ، ثم قال له : ازدد من هذا ، فما أعرف في هذه الليلة أحدا أحوج إليه منك ، ثم وثب إلى صلاته ، وما كان ذاك إلّا كخطفة الطّير . فلمّا صرنا إلى صحن الدار قال لي الرّشيد : يا سفيان ، ما رأيت التقوى في وجه أحد قطّ أبين منها في وجه هذا الشّيخ ، ولولا التحشّم منك لقبّلت ما بين عينيه ، فقلت له : واللّه لعلى ودّي أن تكون فعلت ذلك ، فكتب اللّه لك ثوابه وأجره ، فقال : إني أرجو أن يكون قد كتب لي ثوابه بالنيّة ولو لم أفعل . انظر - فديتك - إلى هذا الحديث ، وانظر إلى زمانك وإمامك وسلطانك ، فإنك ترى فرقا يوحش القلب ، ويورث الأسف ، وللّه أمر هو بالغه لا نعترض عليه ، ولا ننازع فيه ، ولكن نلجأ إلى كنفه ، ونسأله زيادة من عطفه ، فإنه رحيم بعباده ودود .

65 قال أصحاب النّجوم :

إنّما جعل أول بيت الطّالع ، لأنه خروج من ظلمة إلى ضياء ، وجعل الطّالع للحياة لأنّ المولود لمّا خرج بين حالتين - بين الموت والحياة - فإن أوجب الطّالع الحياة فذاك ، وإن أوجب الموت فذاك ؛ والثاني للموادّ ، فإنّ الحياة إنما تكون بالموادّ ، فجعل المال ؛ والثالث للإخوة ، لأنّه أول شكل برج يشكل بالطّالع ، إن كان الطّالع ، ذكرا فهو ذكر ، وإن كان أنثى فهو أنثى ، أو نهاريا أو ليليا فهو مثله ، وأول خطّ خرج من الطّالع إليه ما لاح أقرب الأشياء إليه ؛ والرابع الآباء ، لأنّه ابتداء الدور ، منه يبتدئ وإليه يرجع ، فالمولود الآباء أوله ؛ والخامس الولد ، لأنّه مالئ بيت الآباء ، والولد خلف الأب ؛ والسّادس بيت العبيد والمرضى والسّقّاط ، لسقوطه عن الطّالع ولأنه لا تمازج بين الطّالع وبينه ؛ والسّابع الأضداد والنّساء ، لأنّه بإزاء الطّالع ، إذا ظهر هذا غاب هذا ، وإذا غاب هذا ظهر هذا ؛ والثّامن ينظر الثاني ، فحالته بالضّدّ ، فلمّا كان الثاني سبب الموادّ ، والموادّ سبب الحياة ، كان الثّامن انقطاع الموادّ ، وبانقطاع الموادّ يقع الموت ؛ والتاسع السّفر والدّأب