تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البصائر والذخائر — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
الدّنيا عقولكم ، وعشقتها أنفسكم ، وامتدت إليها أبصاركم ، أوحش « 1 » الزاهد منكم ، فكنت إذا رأيته علمت أنه حيّ بين موتى . يا داود ، ما كان أعجب شانك ، وقد يزيد في عجبك أنّك ألزمت نفسك الصّبر ، وقوّمتها بالزّهد ؛ أذللتها وإنّما تريد عزّها ، وأجعتها وإنّما تريد شبعها ، وأظمأتها وإنّما تريد ريّها ، وعزلت نفسك عن الدّنيا فلم ترها لك قدرا ولا خطرا ، تفقّهت في دينك وتركت النّاس يفتنون ، وسمعت الحديث وتركتهم يتحدّثون ، وخرست عن القول وتركتهم ينطقون ، لا تحسد الأخيار ، ولا تعيب الأشرار ، ولا تقبل من السّلطان عطيّة ، ولا من الإخوان هديّة ، آنس ما تكون إذا كنت خاليا ، وأوحش ما تكون إذا كنت مع النّاس مجالسا ، عزلت نفسك في بيتك فلا محدّث لك ولا جليس ، ولا ستر على بابك ، ولا فراش تحتك ، ولا قلّة يبرّد فيها ماؤك ، ولا قصعة يكون فيها غداؤك وعشاؤك ، فمن صبر صبرك وعزم عزمك ؟ ! لقد أتعبت العابدين بعدك .

64 قال الرّشيد لسفيان بن عيينة :

إني عزمت أن أرى الفضيل بن عياض ، فقال له سفيان : يا أمير المؤمنين ، إنّه رجل قد زهد في النّاس والدّنيا جميعا ، وأخاف أن تأتيه فتستجفيه « 2 » ، فقال له : كلّا ما عزمت على إتيانه حتى وطّنت نفسي على احتمال ما يكون منه ؛ يا سفيان ، إن عزّ القويّ عزّ لا يزحمه منكبا إمرة ولا خلافة . قال : فأتيت فضيلا بما قال ، فقال : ما أعقله لولا أنه يحبّ العاجل ، ثم قال : إني لأحبّ أن يأتيني وأكره أن يأتيني ، فأمّا محبّتي لمجيئه فلعلّي أعظه بموعظة ينتفع بها هؤلاء النّاس ، وأما كراهيتي لمجيئه فلأنّي أراه يرفل في النّعم عاريا من الشّكر . قال : ثم أذن ، فمضيت مع الرشيد إليه ، وقد اختلط الظلام ، وعلى الرّشيد طيلسان غسيل قد غطّى به رأسه ، فلمّا هجمنا عليه في بيته وشمّ الرائحة سمعته يقول : اللهمّ إنّي أسألك رائحة الخلد التي أعددتها لأوليائك
هامش
( 1 ) ح : وأوحش . ( 2 ) ح : فتستخفيه .