جوهره ، وبراءة ساحته ، وسلامة ناحيته ، إلى شفيع في قلب المكتوب إليه وإن لم يكن هناك شفيع ولا دليل ، فالكلام كلّه يحتمل التوجيه والتّصريف ، والتوهّم والظّنون .
454 - وقال في فصل آخر :
سألت - أبقاك اللّه - أن أصف لك فلانا : اعلم أني دخلت على رجل ضخم فدم ، غليظ اللّسان غليظ المعاني ، عليه من الكلام أشدّ المئونة ، وفي معانيه اختلاف ليس شيء منه يؤاتي صاحبه ولا يعاونه ، بل لا يتاركه ويسالمه حتى يرى إرادته في شقّ ولسانه في شقّ ، وحتى يظنّ أن كلامه كلام محموم أو مخمور ، وأنّ كل واحد من هذا يقطع نظام المعالي ، ويخلط بين الأسافل والأعالي ؛ وكنت كأنّي رجل من النّظارة ، وكان يظنّ الظنّ ثم يقيس عليه ، وينسى أن بدأ [ ه ] كان ظنا ، فإذا اطّرد ذلك له واتّسق جزم عليه ، وحكاه عن صاحبه حكاية المستبصر في صحّة معناه ، ولكنه كان لا يقول : سمعت ، ولا رأيت ، فكان كلامه إذا خرج مخرج الشهادة القاطعة لم يشكّ السّامع أنّه إنما تجلّى ذلك عن سماع قد امتحنه ، ومعاينة قد قهرته .
ورأيته يزعم أنّ منكرا أفضل من نكير ، وأنّ يأجوج أفضل من مأجوج ، وأنّ هاروت خير من ماروت ، حتى زعم أنّ الجانب الأيمن أفضل من الجانب الأيسر ، واعتلّ أنّ الكبد للشقّ الأيمن ؛ فقلت له : فإنّ الطّحال للشقّ الأيسر ، فقال : الكبد أرفع منزلة من الطّحال ، فقلت : فإنّ الفؤاد الذي هو سيّد الأعضاء مركّب في الجوف ممّا يلي اليسار دون اليمين ، فهذه فضيلة لليسار على اليمين ، فانقطع . وخرجت عنه ، فلما رجعت إلى منزلي وردت عليّ رقعة مكتوب على عنوانها : « هذه مسائل من فقر الحكمة ومكنون علم الفلسفة » ، وفككتها فإذا فيها : خبّرنا عن تعادي الأضداد ، وحركات الكون والفساد ، إذا استحوذت على الأجرام الجسميّة ، فتلاشت قوى الطبيعة ، هل يكون للحركات العنصريّة أعراض بدنيّة أم جواهر وهميّة وأعيان عقلية ؟ وخبّرنا عن النّواميس الخفيّة والشرائع الإلهيّة : هل لهما أسرار طبيعية أو رسوم عقليّة ؟ فلما