ولّى بشرا الكوفة ووجّه معه روح بن زنباع الجذامي وقال : يا بنيّ ، روح عمّك والذي لا ينبغي أن تقطع أمرا دونه لصدقه وعفافه ومحبّته لنا أهل هذا البيت ، وقال لروح : اخرج مع ابن أخيك ، فخرج معه حتى قدما الكوفة . وكان بشر ظريفا أديبا ، يحبّ الشّعر والسّمر والسّماع والنّدام ، فراقب روحا واحتشمه وقال : أخاف أن يكتب روح إلى أمير المؤمنين بأخبارنا فتقبل منه ، وإنّي لأحبّ من الأنس والاجتماع ما يحبّه الشباب ، ولكنني أتجنّب ذلك لمكانه ، فضمن له النّديم كفاية أمره وردّه إلى عبد الملك من غير سخط ولا لائمة ، فسرّ بذلك بشر ووعده مكافأته عليه بأعظم الحباء .
وكان روح غيورا ، إذا خرج عن منزله أقفله وختمه بخاتمه حتى يعود فيفضّه بيده ، فأخذ الفتى دواة ثم أتى منزل روح ممسيا ، فوقف بالقرب منه مستخفيا ، فخرج روح إلى الصلاة ، فتوصل الفتى إلى أن دخل الدّهليز فكمن تحت درجة فيه ، وعاد روح ففتح الباب وأغلقه من داخله ، فلم يزل الفتى يحتال ويتلطّف به حتى وصل ، فكتب على حائط في أقرب المواضع من مرقد روح :
[ البسيط ]
يا روح من لبنيّات وأرملة * إذا نعاك لأهل المغرب النّاعي
إنّ ابن مروان قد حانت منيّته * فاحتل لنفسك يا روح بن زنباع
ولا يغرّنك أبكار منعّمة * فاسمع - هديت - مقال النّاصح الدّاعي
ثم رجع إلى مكانه من الدّهليز فبات به ، فلما أصبح روح خرج إلى الصلاة ، فتبعه الفتى متنكّرا وخرج . وكان روح قبل خروجه أقفل على الموضع الذي كتب فيه الفتى ، فلمّا عاد إلى الموضع وأسفر الصّبح تبيّن الكتاب ، فراعه وأنكره وقال : ما هذا ، فو اللّه ما دخل حجرتي إنسيّ سواي ، ولا حظّ لي في المقام بالعراق ، ثمّ نهض إلى بشر فقال : أوصني بما أحببت من حاجة أو سبب عند أمير المؤمنين ، قال : أو تريد الشّخوص يا عمّ ؟ قال : نعم ، قال : ولم ذاك ؟