باللغات ، لكنّ العربية عندنا أحسن الألفاظ مخارج ، وأوسعها مناهج ، وأعلقها بالقلب ، وأخفّها على اللسان وأوصلها إلى الآذان ، وكل هذه المحاسن تابعة للشريعة التي جعلها اللّه تعالى تمام الشرائع ، ومضافة إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم الذي ختم اللّه عزّ وجلّ به الأنبياء والرّسل ؛ جعلنا اللّه عزّ وجلّ يوم الفزع الأكبر في زمرته ، كما أخرجنا في زمرة أمّته « 1 » ، ورزقنا شفاعته ، كما ألهمنا طاعته ، بمنّه وجوده .
187 - أرى - أيّدك اللّه - أن أطيل الكلام في هذا المعنى ،
لعلمي بأنّ هذا المقدار يهيجك ولا يشفيك ، ويغريك بمعرفة تمامه ولا يسلّيك : نظام البلاغة وعقدتها والذي عليه المدار والمحار « 2 » أن يكون طالبها مطبوعا بها مفطورا عليها ، قد أعين بشهوة في النفس ، وأدب من الدرس ، فإنه متى اختلّ في أحد الطرفين بدا عواره ، ولصق به عاره ، والآفة فيها « 3 » من الدّخلاء إليها الذين يستعملون « 4 » الألفاظ ولا يعرفون موقعها ، أو يعجبهم الاتساع ويجهلون « 5 » مقداره ، أو يروقهم المجاز ويتعدّون حدوده ، أو يحسن في حكمهم التصريح ولعلّ الكناية هناك أتمّ ، والإشارة فيه أعمّ . وهذه الخلال تجدها في قوم عدموا الطّبع المنقاد في الأول ، وفقدوا المذهب المعتاد « 6 » في الثاني ، والسرّ كله أن تكون ملاطفا لطبعك الجيّد ، ومسترسلا في يد العقل البارع ، ومعتمدا على رقيق الألفاظ وشريف الأغراض ، مع جزولة في معرض سهولة ، ورقّة في حلاوة بيان ، مع مجانبة المجتلب « 7 » ، وكراهة المستكره . وركنه الذي يعوّل عليه ، وكنفه « 8 » الذي يأوي
هامش
( 1 ) ك : كما جعلنا من أمته ؛ ر : كما أخرجنا في جملة أمته .
( 2 ) ك : والمجاز .
( 3 ) ح : فيهما .
( 4 ) ح : يستغرقون .
( 5 ) ح : ولا يجهلون .
( 6 ) ك : الأول المعتاد .
( 7 ) ح : المجتنب .
( 8 ) ك ر : وكهفه .