اللّه ، أنّ اللّه يلهم المختصّين ، ويمدّ قلوبهم بدواعي الخير وخواطر الحقّ ، وكان لا يسيغ هذا النّمط ، وإنّما خرج إليّ بذات صدره للأنس الذي كنت معه عليه .
وكان أصحابنا المتكلمين لا يرون له وزنا في الكلام ، ولا يعدّونه في طبقة أهل التّمام ، ويقولون : الفقه مسلّم إليه ، والسّير موقوفة عليه ، فأمّا ما عداهما فهو ظالم فيه إن تكلّم ، ومقصّر إن توهّم .
723 - وقال صاحب الكتاب « 1 » :
فأمّا من استدل على وجوب المعرفة بأنّ اللّه تعالى لو لم يوجبها لكان قد أباح الجهل به ، فليس يتمّ ، لأنّ الجهل قبيح ، وكون الشيء مباحا يفيد حسنه . وزعم أنّ بعض النّاس قال : الدلالة على أنها - يعني المعرفة - من أول الفرائض يعني [ أنّ ] الطاعة لا تصحّ لمن لا يعرف .
قال - وهذا تقريب - : ألا يرى أنّ الطاعة إنّما كانت طاعة لموافقتها الإرادة ، وقد يصحّ أن يوافق الفعل إرادة اللّه وإن كان الفاعل لا يعرفه ، بأن ينصر مظلوما أو يغيث ملهوفا ، وإنّ ذلك يقع حسنا طاعة للّه عزّ وجلّ مع الجهل به . فقد بان لك أنّ ما قاله تقريب .
وهذا أيضا - أيّدك اللّه - كلام طريف ، لأنّ إغاثته الملهوف ، ونصرته المظلوم ، متى وقعتا موافقتين لإرادة اللّه ، واللّه إنّما أراد وقوعهما منه على صفة معروفة ، وهو أن يكون عارفا باللّه غير جاهل به ، ومتى لم يوجد على هذه الصّفة ، كان فعله حسنا وطاعة إذا أضيف إليه لا إلى اللّه عزّ وجلّ ، ووقعت عليه لا على اللّه عزّ وجلّ ، لأنّ الفعل لا يصحّ أن يكون طاعة إلّا والفاعل مطيع ، والفاعل لا يكون مطيعا إلّا وهناك مطاع ، ومتى أجيز لنا المطاع عن معرفة لم نعتدّ بطاعته ، ولم نطمئن إلى حسنه ، لأن ذلك حسن ما دام ظاهره مشاركا لظاهر العارفين ، فأمّا وباطنه مناف لباطن العارفين فليس فعله بحسن ولا طاعة .
هامش
( 1 ) عاد هنا إلى النقل عن كتاب الشيخ المتكلم المذكور في أول الفقرة السابقة .