كان مأمورا بالعفو عنهم وهو المبعوث إنّه لأولى بالعفو وهو الباعث ، والباعث إله معبود ، والمبعوث عبد عابد ، فانتظر جواب هذه أيضا ، فما خلص من هذا النّمط إلّا بهجر الرقاد ، ومسح البلاد ، ولقاء الجهابذة النّقّاد .
698 - وما معنى قوله عزّ وجلّ
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
( الأنفال : 17 ) فقد رأيت ناسا عرض لهم من ظاهر هذا الكلام ما ينافي المعنى ، ولم يصحّ لهم التأويل الصحيح ، وكانوا طوال الأيدي في العلم ، حذّاق الخواطر في الجدل ، فصحاء الألسنة لدى الحجاج وتحكّم التشكيك ، وانتهوا إلى التّرادع والتلاوم « 1 » ، ولو لم يعجبوا بما عرفوا لوضعوا الحدّ في تعرّف ما لم يعرفوا ، وفوق كلّ ذي علم عليم .
699 - وما وجه قوله عزّ وجلّ
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
( الأنعام : 103 ) وإذا ضممته إلى قوله « 2 »
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
( القيامة : 22 ) فإنّك إن حملت أحد القولين على الآخر لم تبرأ من تعسّف أو تكلّف ، فقفنا على المعنى الموقوف به فيهما ، وعرّفنا مراد اللّه عزّ وجلّ منّا بهما ، فالخطب قد أعضل من أجل هاتين الآيتين حتى صار الباحثون عن الحقّ فيهما إلى الاختلاف الشديد ، والشّتات « 3 » العتيد « 4 » ، واستحلّ فيه الدم ، وعقّ بسببه الوالد ، وهجر الوطن ، وأطلق التكفير ، وهذه مصائب الدّين الذي ندين به ، ونعتصم بحبله ، وندعو إلى الإذعان له ، والإقرار به ، وقد عاد غريبا كما بدأ غريبا ، وحقّ قول الرسول الحقّ حين قال « 5 » : إنّ الاسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا ، فطوبى للغرباء .
هامش
( 1 ) ر : ويحكم التشكيل وانتهوا في النوازع والإسلام .
( 2 ) لا تدركه . . . . قوله : لم يرد في ر .
( 3 ) ح : والسباب .
( 4 ) ر : الشديد .
( 5 ) كرره في الإمتاع 2 : 78 .