ونبوغه الذاتي ، ولا يمنع هذا على الاطلاق من أن يصوغ ما وصل اليه من مواد فكرية ، بمؤشرات وعوامل تنقدح في بنية مجتمعه المعاصر وأن يفسر بكل هذا ، المجتمع الذي يعيش فيه ، والذي ينعكس عن آرائه . وكان ابن خلدون عبقرية عصره بلا منازع ، ولكن لم يكن العبقرية الفريدة الوحيدة في سلسلة الفكر الاسلامي ؛ انه كان جوهرة غالية في عقد هذه السلسلة . لكنه استفاد أعظم استفادة بتراث الأشاعرة ، وانعكس على كل جزئية من جزئيات نظريته ، فكرهم ومنهجهم . يقرر الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه الممتاز : العصبية والدولة « لقد عرف الفكر الاسلامي إلى جانب الدراسات اللغوية والأدبية والفقهية والكلامية والفلسفية ، جانبا سياسيا واجتماعيا ، ما زال في حاجة إلى مزيد من بحث ودراسة ، وفكر ابن خلدون : نظرياته السياسية والاجتماعية ، هو في نظرنا استمرار وتتويج لهذا الجانب من الفكر العربي والاسلامي . ودون أن ندخل في التفاصيل ، فإننا سنقتصر هنا على محاولة ربط آراء ابن خلدون ونظرياته بالاتجاهات التي عرفها الفكر الاسلامي في ميدان السياسة والاجتماع « 42 » .
يضاف إلى هذا تأثر ابن خلدون بما كتبه مؤرخو الرومان والبربر يقول الأستاذ حسن السائح « نحن نعرف ان ابن خلدون كان يعرف شيئا من اللغة اللاتينية ، وينقل ما كتبه مؤرخو الرومان والبربر . ومن المعلوم عنه انه تأثر بالمؤرخ البربري « فلوروس » الملخص لمعشرات طيطس ، والذي عاش في روما مؤرخا وكاتبا ذائع الصيت وقد عرف برأيه في تحديد حياة الدولة في أربعة عصور : عصر النشأة والعظمة والانحطاط والاندثار التي اقتبسها عنه ابن خلدون فيما بعد . كما أنه كان يحسن اللهجة البربرية ، وبالأخص الهنتانية المستعملة في بلاط الحفصيين ، واستفاد مما كتبه البربر باللغة البونيقية وما كتبه نسابو البربر المطاطي والنفوسي وابن كداد وابن الوراق والبرزالي والنضرومي . ويضيف الأستاذ إلى هذا التراث ما أخذه ابن خلدون عن كتاب الانساب وابن قتيبة فيما كتبه عن اخبار إفريقية والطبري في تاريخه والمسعودي
هامش
( 42 ) الدكتور محمد عابد الجابري : العصبية والدولة : معالم نظرية خلدونية في التاريخ الاسلامي - دار الثقافة - الدار البيضاء ، المغرب ، ص 187 .