وملاحظة ثالثة : انه كشف لنا عن مصادر ابن خلدون ومصادره هو ، فكان يورد النصوص المتعددة والآراء الكثيرة لمفكرين سبقوا ابن خلدون وكتبوا في نفس نسق ابن خلدون السياسي والاجتماعي ، فوضح لنا مصادر ابن خلدون في نظرياته عن الدولة أو العصبية والشوكة والعوارض الذاتية وغيرها من أفكاره لدى المسعودي وابن حزم والغزالي والآمدي والماوردي وغيرهم من مفكرين متعددين ، مما يؤكد انه كانت للرجل عقلية تحليلية وتركيبية استطاعت ان تربط النصوص المتشابهة والمختلفة وان تضعها في نظام علمي متناسق .
وملاحظة رابعة : أنه طبق المنهج الاستقرائي ، في عرضه للموضوع .
فعل ابن خلدون هذا من قبل ، وابن خلدون أشعري تجريبي حسى وكذلك ابن الأزرق . ولكن المنهج يتضح أكثر وأكثر عند ابن الأزرق ، فنرى هذا بوضوح في استخدامه لقياس الغائب على الشاهد ولمسالك العلة ولقوادحها وللاطراد وللعادة ، ولتحليل الجزئيات المستقرأة ، ثم جمعها في أصول عامة وقد يقال : ان التفريعات والجزئيات تكثر لديه أكثر من ابن خلدون . ولكن هذا هو المنهج الاستقرائي ، كان أكثر وعيا به من ابن خلدون .
وملاحظة أخيرة : كشف لنا ابن الأزرق عن ميراث كبير في علم السياسة ، ووجه نظرنا إلى مجموعة من الكتاب السياسيين ، سبقوا ابن خلدون - خلال القرون الماضية وقد ثبت لنا وجود مخطوطات كتب هؤلاء الكتاب ، غير أن أهم كتاب وجه نظرنا اليه هو كتاب الشهب اللامعة في السياسة النافعة ، للوزير أبي القاسم بن رضوان ، وقد حققته وأعددته للطبع . وسينشر ويطبع هذا الكتاب بعد طبع كتاب بدائع السلك . وأهمية كتاب الشهب اللامعة انه كان مصدرا أساسيا لابن الأزرق ، علاوة على أن ابن رضوان كان معاصرا لابن خلدون بل صديقا وزميلا ولم يذكر ابن خلدون هذا الكتاب ، فهل استفاد به أم لم يستفد .
اننا نعلم أن ابن خلدون « كتوم » غير بواح . والمسألة تحتاج إلى بحث .
بدائع السلك في طبائع الملك — صفحة 22
مساهمون: محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
ص٢٢