قال أبو عبيد : إنما تكون الموادعة بين المسلمين وأهل الشرك إذا خاف الإمام غلبة منهم على المسلمين ، ولم يأمن على هؤلاء أن يضعفوا ، أو أن يكون يريد بذلك كيدا « 1 » ، فأما إذا لم يخف ذلك فلا . وذلك لأن اللّه تبارك وتعالى يقول
( فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ )
« 2 » وكذلك لو خاف من العدو واستعلاء على المسلمين ، فاحتاج إلى أن يتقيهم بمال يدرؤهم به عن المسلمين : فعل ذلك ، كما صنع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يوم الأحزاب « 3 » إنما الإمام ناظر للمسلمين .
[ وقعة الأحزاب . ومراسلة النبي ( ص ) عيينة بن حصن ]
445 - حدثنا عبد اللّه بن صالح عن الليث بن سعد عن عقيل بن خالد عن ابن شهاب قال : كانت وقعة الأحزاب بعد أحد بسنتين « 4 » وذلك يوم حفر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الخندق « 5 » ورئيس الكفار يومئذ أبو سفيان بن حرب . فحاصروا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بضع عشر ليلة . فخلص إلى المسلمين الكرب « 6 » ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كما أخبرني سعيد بن المسيب - « اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن تشأ
هامش
( 1 ) أي جمعا لقوة المسلمين واستكمالا لاستعدادهم حتى يأنس منهم القدرة على منازلة عدوهم .
( 2 ) فالآية تنهى المسلمين أن يضعفوا عن ملاقاة عدوهم أو يدعوهم إلى المسالمة ما داموا أقوياء .
( 3 ) وذلك حين أراد أن يصالح غطفان على ثلث ثمار المدينة على أن ترجع إلى بلادها وتترك قريشا .
( 4 ) يعنى أنها كانت في السنة الخامسة للهجرة وقيل الرابعة .
( 5 ) وذلك بإشارة سلمان الفارسي رضى اللّه عنه وقد عمل فيه الرسول عليه السلام بنفسه .
( 6 ) لا سيما حين نقضت قريظة عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وانضمت إلى قريش وقد أشار القرآن الكريم إلى تلك الشدة التي عاناها المسلمون في قوله من سورة الأحزاب( إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً ).