تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمالي ( مع كتابي ذيل الأمالي والنوادر ويليهم كتاب التنبيه مع أوهام أبي علي في أماليه لعبد الله الأندلسي ) — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
قال : فلما سمعت بذلك لبنى بكت بكاء شديدا ، وأنشأت تقول :
رحلت إليه من بلدي وأهلي * فجازاني جزاء الخائنينا
فمن رآني فلا يغترّ بعدي * بحلو القول أو يبلو الدّفينا
فلما انقضت عدّتها وأرادت الشخوص إلى أهلها أتيت براحلة لتحمل عليها ، فلما رأى ذلك قيس داخله منه أمر عظيم واشتد لهفه ، وأنشأ يقول : [ البسيط ]
بانت لبينى فأنت اليوم متبول * وإنك اليوم بعد الحزم مخبول
فأصبحت عنك لبنى اليوم نازحة * ودلّ لبنى لها الخيرات معسول
هل ترجعنّ نوى لبنى بعاقبة * كما عهدت ليالي العشق مقبول
وقد أراني بلبنى حقّ مقتنع * والشّمل مجتمع والحبل موصول
فصرت من حبّ لبنى حين أذكرها * القلب مرتهن والعقل مدخول
أصبحت من حبّ لبنى بل تذكّرها * في كربة ففؤادي اليوم مشغول
والجسم منّي منهوك لفرقتها * يبريه طول سقام فهو منحول
كأنني يوم ولّت ما تكلّمني * أخو هيام مصاب القلب مسلول
أستودع اللّه لبنى إذ تفارقني * عن غير طوع وأمر الشّيخ مفعول
ثم ارتحلت لبنى ، فجعل قيس يقبّل موضع رجليها من الأرض وحول خبائها ، فلما رأى ذلك قومه أقبلوا على أبيه بالعذل واللوم ، فقال ذريح لما رأى حاله تلك : قد جنيت عليك يا بنيّ ، فقال له قيس : قد كنت أخبرك أني مجنون بها فلم ترض إلا بقتلي ، فاللّه حسبك وحسب أمّي ! وأقبل قومه يعذلونه في تقبيله التراب ، فأنشأ يقول : [ الوافر ]
فما حبّي لطيب تراب أرض * ولكن حبّ من وطئ الترابا
فهذا فعل شيخينا جميعا * أرادا لي البليّة والعذابا
* * * [ 1093 ] وقرأت على أبي بكر بن دريد : [ الوافر ]
كسوناها من الرّيط اليماني * مسوحا في بنائقها فضول
وهدّمنا صوامع شيّدتها * لها حبب مخالطها نجيل
يقول : كانت هذه الإبل بيضا كأن عليها الريط ، ثم اسودّت من العرق من شدة ما أتعبناها ، فكأننا كسوناها المسوح ؛ يعني : أنها صارت سودا بعد أن كانت بيضا ، وقوله :
وهدمنا صوامع شيدتها
يعني أسنمتها رفعتها . لها حبب ، وهي جمع حبّة وهي بزور البقل والنبات . مخالطها نجيل ، والنجيل من الحمض ، ومنه قول الشماخ : [ الطويل ]
ولا عيب في مكروهها غير أنّها * تبدّل جونا لونها غير أزهرا