تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإقتضاب في شرح أدب الكتاب — صفحة 727

مساهمون:

ص٧٢٧
ثم قال أبو الطيب المتنبي « 1 » فزاد في الإغراق والمحال : [ من المنسرح ]
يمنعها أن يصيبها مطر * شدّة ما قد تضايق الأسل
[ 443 ] ومعنى تدحرج : استدار ، والسام : عروق الذهب ، ويعني بذي سامه : البيض المذهبة ، ويروى : « عن دلاصه » وهو البراق الأملس . وفي قوله : عن ذي سامه شذوذ واستكراه ، لأن الهاء التي في سامه ترجع إلى البيض ، وذو السام : هو البيض بعينه ، وهذا يقتضي إضافة الشيء إلى نفسه . وفيه شذوذ آخر ، وذلك أن الشيء إذا ذكر ثم احتيج إلى إعادة ذكره في جملة واحدة وجب أن يضمر ولا يظهر ، كقولك : زيد قام ، ويقبح أن تقول : زيد قام زيد . فكان ينبغي أن يضمر البيض لأن ذكرها قد جرى فيقول : تدحرج عنه ، فأتى به مظهرا بغير لفظ الأول فصار كقولك : « لقيت زيدا فضربت ذا الفرس » ، وأنت تريد : فضربته ، ثم أضافه إلى الهاء ، فصار كقولك : لقيت زيدا فضربت ذا فرسه . وهذا شذوذ لا نظير له في كلامهم فيما علمناه ، وهو أقبح من قولهم : « مررت برجل حسن وجهه » ، على ما فيه من القبح . والوجه لمن روى هذه الرواية أن يجعل الهاء عائدة على الرجال من قوله قبل هذا البيت « 2 » :
رجال متى يدعوا إلى الموت أرقلوا * إليه كإرقال الجمال المصاعب « 3 »
فكأنه قال : تدحرج عن ذي سام الرجال ، وذكّر الضمير وأفرده على معنى الجميع . وذو سام الرجال : هو البيض . فأدى ذلك ما يؤديه قوله : عن بيض الرجال ، ولو روى : عن ذي سامنا ، أي عن بيضنا ، لكان أجود وإن كان مستكرها ، وإنما أضاف السام إلى الرجال ، أو إلى ضميرهم وإن كان السام إنما هو للبيض ، لأنهم الذين أذهبوه به وزينوه فكأنه قال : عن البيض الذي أذهبه الرجال أو أذهبناه ، وقد يضاف الشيء إلى الشيء وإن لم يكن له لما بينهما من الملابسة والاتصال كقوله جلّ جلاله :
ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي
« 4 » ولا مقام للّه تعالى ولا هو من صفاته ، وإنما المعنى مقامه عندي .
هامش
( 1 ) ديوان المتنبي 3 / 215 ، والوساطة 361 . ( 2 ) ديوانه 84 ، ومعجم البلدان ( مزاحم ) ، وعجز البيت سبقه إليه النابغة الذبياني بقوله :إذا استنزلوا عنهن للطعن أرقلوا * إلى الموت إرقال الجمال المصاعبانظر ديوان النابغة الذبياني 44 ، واللسان والتاج وأساس البلاغة ( رقل ) . ( 3 ) في ديوانه : ( أرقل البعير يرقل إرقالا ، وهو أن ينفض رأسه ويرتفع عن الذميل « الذميل : ضرب من سير الإبل ؛ قيل هو السير السريع اللين » . والمصعب : الذي لم يمسه حبل ولم يذلّل ) . ( 4 ) إبراهيم : 14 .
الإقتضاب في شرح أدب الكتاب — صفحة 727 | محمد باسل عيون السود / عبد الله بن محمد البطليوسي