« صددت بوجهي عنه » . وإن أعملت تبدي وهو اختيار البصريين كانت عن غير مبدلة من حرف آخر ، لأنك تقول : « أبديت عن الشيء » ، كما قال سحيم « 1 » يصف ثورا يحفر في أصل شجرة كناسا له : [ من الطويل ]
يثير ويبدي عن عروق كأنها * أعنة خرّاز جديدا وباليا
والوجه هاهنا أن يعمل تبدي ، لأنه إذا أعمل تصد لزم أن يقول : تصد وتبدي عنه عن أسيل ، لأن الفعل الأول في هذا الباب إذا أعمل أضمر في الثاني ، وإذا أعمل الثاني لم يضمر في الأول ، إلا أن يكون فاعلا ، فإنه يضمر في قول أكثر النحويين ، إذ لا بد من فاعل ظاهر أو مضمر .
فإن قلت : كيف زعم ابن قتيبة وزعمت أنت أن حكم « صدّ » أن يتعدى بالباء حتى احتيج إلى أن يجعل عن بدلا من « الباء » ونحن نجد « صد » يتعدى ب عن في نحو قوله « 2 » : [ من الوافر ]
صددت الكأس عنا أم عمرو * وكان الكأس مجراها اليمينا
فالجواب : أن « صدّ » إنما يحتاج في تعديه إلى عن في غير الشيء المصدود به كقولك : « صد زيد عن عمرو » ، فإذا ذكرت الشيء الذي يقع به الصد احتجت إلى الباء كقولك : « صد زيد بوجهه عن عمرو » . فلما كان الخد الأسيل هو الذي به يقع الصد لا عنه ، كان مكان « الباء » ، ولم تجز فيه عن ، فالصد إذن نوعان من التعدي : تعد على جهة النقل ، وتعد على غير جهة النقل ، فتعديه على جهة النقل هو الذي يحتاج فيه إلى الباء المعاقبة للهمزة ، وتعديه على غير جهة النقل هو الذي يحتاج فيه إلى عن . تقول : « صد زيد بوجهه عن عمرو » ، و « أصد زيد وجهه عن عمرو » ، فتكون الباء معاقبة للهمزة ، كما قال امرؤ القيس « 3 » : [ من الوافر ]
أصدّ نشاص ذي القونين حتى * تولّى عارض الملك الهمام
هامش
( 1 ) ديوان سحيم 29 ، وتقدم في ص 345 .
( 2 ) البيت لعمرو بن كلثوم من معلقته ، وهو له في شرح شواهد الإيضاح 172 ، والكتاب 1 / 222 ، 405 ، واللسان 13 / 244 ( صبن ) ، ولعمرو بن معدي كرب في ملحق ديوانه 213 ، ولعمرو بن عدي أو لعمرو بن كلثوم في خزانة الأدب 8 / 272 ، والدرر 3 / 87 ، وبلا نسبة في شرح شذور الذهب 302 ، وهمع الهوامع 1 / 201 .
( 3 ) ديوان امرئ القيس 140 ، واللسان 3 / 245 ( صدد ) ، 13 / 333 ( قرن ) ، ومقاييس اللغة 5 / 426 ، وجمهرة اللغة 111 ، والتاج ( قرن ) ، وهو بلا نسبة في جمهرة اللغة 794 .