نحو قولك : « أعجبني ما فعلت » ؛ أي فعلك ، فكأنه قال : فكل علفك . ويجب على هذا أن يكون العلف بمعنى المعلوف ؛ لأن نفس المصدر لا يعلف ، فيكون كقولهم : « درهم ضرب الأمير » ؛ أي مضروب .
والفرق بين ما المصدرية وما التي بمعنى الذي وإن كانت كلّ واحدة منهما موصولة أن التي بمعنى الذي يعود عليها من صلتها عائد ، والمصدرية لا يعود عليها من صلتها عائد ؛ لأنها حرف بمنزلة « أن » الموصولة . والوجه أن تكون هاهنا بمعنى الذي .
وأما من فإنها تأتي للتنويع والتفصيل في نحو قولهم : « جاءني القوم من فارس وراجل » ومن هذه و « بين » يتعاقبان على المعنى الواحد ، ألا ترى أنهم يقولون : « جاءني [ 380 ] القوم بين فارس وراجل » فتؤدي ذلك المعنى بعينه .
وكذلك لو قال : « فكل ما علفت بين خبيث وطيب » لأدّى ذلك المعنى بعينه .
ومن هذه تتعلق بمحذوف ، ويدلّك على ذلك أنك تجدها تنوب مناب الأخبار في نحو قولهم :
« القوم من ضاحك وباك » .
وقول ذي الرمة « 1 » : [ من البسيط ]
والعيس من واسج أو عاسج خببا * ينحزن من جانبيها وهي تنسلب « 2 »
وقوله : فكل ما علفت كان القياس أن يقول : فكل ما تعلف ، لأن الأمر إنما يكون بالمستقبل ، غير أن العرب تستعمل هاهنا الماضي فيقولون : « خذ ما أعطيت » و « اشكر اللّه على ما وهب لك » . ومنه قول الراجز : [ من الرجز ]
وإنما نأخذ ما أعطينا
فيجوز أن يكون هذا مما وضع فيه الماضي موضع المستقبل حين فهم المعنى « 3 »
هامش
( 1 ) البيت لذي الرمة في ديوانه 47 ، واللسان 2 / 324 ( عسج ) ، 398 ( وسج ) ، 5 / 193 ( نجر ) ، 414 ( نحز ) ، وتهذيب اللغة 1 / 338 ، 4 / 367 ، 11 / 40 ، ومقاييس اللغة 1 / 338 ، 4 / 319 ، والتنبيه والإيضاح 1 / 221 ومجمل اللغة 1 / 485 ، وأساس البلاغة ( وسج ) ، ( نحز ) ، والتاج 6 / 101 ( عسج ) ، 6 / 258 ( وسج ) ، 15 / 345 ( نحز ) ، والمخصص 7 / 116 .
( 2 ) العسج والوسج : ضرب من سير الإبل .
( 3 ) جاء في الأضداد للسجستاني 131 : ( قال أبو حاتم : اتسعت العرب فجعلوا ( فعل ) في مواضع لما لم ينقطع بعد ؛ ولما لم يكن بعد ، وجعلوا ( يفعل ) وأخواتها لما قد كان ، فقال سبحانه وتعالى :كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّاأي من هو في المهد ) . وفي الأضداد للأنباري 61 : ( فإذا انكشف المعنى حمل أحد الفعلين على الآخر كقوله سبحانه وتعالى :كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّامعناه من يكون في المهد فكيف نكلمه ؟ فصلح الماضي في موضع المستقبل لبيان معناه ) . وفي مجالس ثعلب 388 : ( وإذا كان الفعل يدوم فالماضي والمستقبل واحد . صلّى يصلّي وصام يصوم واحد ) .