وقوله : وليس يفرقون بين ما يكتب إليه : « وأنا فعلت ذلك » ، وبين من يكتب إليه : « ونحن فعلنا ذلك » . كذا الرواية عن ابن قتيبة . وقال أبو علي البغدادي : والصواب بين من يكتب عن نفسه : « أنا فعلت » ، وبين من يكتب عن نفسه : « ونحن فعلنا » لأنّ هذا أمر يخصّ الكاتب دون المكتوب إليه . والذي قاله أبو علي هو الصحيح الذي لا مدفع فيه ، وإن كان قول ابن قتيبة قد يمكن أن يوجّه له وجه يصحّ به ، إذا حمل عليه . وذلك أن الكاتب لا ينبغي له أن يكتب عن نفسه : « نحن فعلنا ذلك » إلا إلى من هو كفء له في المنزلة ، أو من هو دونه في المرتبة ؛ ولا يجوز أن يكتب بذلك إلى من يعظّمه ويوقّره ، إنما ينبغي له أن يصغّر نفسه ، ويضع منها . فإذا حمّل التأويل على هذا ، صحّ قول ابن قتيبة .
وإنما جاز للرئيس وللعالم أن يقولا عن أنفسهما : « نحن نقول كذا » ، و « نحن نفعل كذا » ، لأن الرئيس يطاع أمره ، وله أتباع على مذهبه ورأيه . فكأنه يخبر عن نفسه ، وعن كل من يتبعه ويرى رأيه . وكذلك العالم . وفيه وجه [ 61 ] آخر ، وذلك أن الرجل الجليل القدر ، النبيه الذّكر ، ينوب وحده مناب جماعة ، وينزل منزلة عدد كثير في علمه أو في فضله ورأيه .
ونحو من هذا ما يروى « 1 » من أن أبي سفيان بن حرب ، استأذن على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فحجبه ، ولم يأذن له . فلما خرج الناس من عنده أذن له ، فدخل وهو غضبان فقال : يا رسول اللّه ، ما كدت تأذن لي حتى تأذن لحجارة الجلهمتين . فقال : يا أبا سفيان ، أنت كما قيل : ( كلّ الصّيد في جوف الفرا ) ، أي أنك وحدك تنوب مناب جماعة . و « الفرا » : الحمار الوحشي يمدّ ويقصر ، والأشهر فيه القصر . ومعنى قولهم : « كل الصيد في جوف الفرا » : أن الحمار الوحشي أجلّ ما يصيده الصائد . فإذا صاده ، فكأنه قد صاد جميع الصيد .
وقوله : حتى تأذن لحجارة الجلهمتين : أي ما كدت أدخل عليك حتى تدخل الحجارة . وأهل الحديث يروون : « الجلهمتين » « 2 » ، بالميم وضم الهاء والجيم ، وذلك
هامش
( 1 ) انظر الخبر في النهاية 1 / 290 ( جلهم ) ، واللسان 12 / 104 ( جلهم ) ، والأغاني 6 / 344 - 345 وجمهرة الأمثال 2 / 162 ، وفصل المقال ص 10 - 11 ، وكتاب الأمثال لابن سلام ص 35 وكتاب الأمثال لمجهول ص 85 ، ومجمع الأمثال 2 / 136 ، والمستقصى 2 / 224 ، وانظر البيان والتبيين 2 / 16 ، والحيوان 1 / 335 ، 2 / 256 .
( 2 ) أراد أبو سفيان بقوله : ( حجارة الجلهمتين ) جانبي الوادي ، وقال ابن بري : والمشهور في الروايتين الجلهمتين بفتح الجيم ، ولم يرو أحد الجلهمتين ، بضم الجيم ، إلا شمر وابن خالويه ( اللسان : جلهم ) .