وقوله : وعلى هذا الابتداء خوطبوا في الجواب : يريد أن الرجل يخاطب على حسب ما يخبر به عن نفسه ؛ فإذا كان يقول : أنا فعلت . قيل له في المخاطبة : أنت فعلت .
وإذا كان يخبر عن نفسه بأن يقول : نحن فعلنا . قيل له في المخاطبة : أنتم فعلتم .
ولما كان اللّه يخبر عن نفسه بإخبار الجماعة فيقول اللّه عزّ وجل :
نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
« 1 » وقوله سبحانه وتعالى :
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ
« 2 » خاطبه الكافر مخاطبة الجماعة فقال جل جلاله :
رَبِّ ارْجِعُونِ
« 3 » ، ولم يقل ربّ ارجعن .
وقوله : وقال أبرواز لكاتبه في تنزيل الكلام : أي في ترتيبه ، ووضع كلّ شيء منه في منزلته التي تليق به . ويقال : أبرواز وأبرويز بفتح الواو ، وأبرويز بكسرها . ويقال :
إنّ أبرويز هذا ، هو كسرى الأخير . وهو الذي قال فيه صلى اللّه عليه وسلم : « إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده » « 4 » . وهو الذي كتب إليه النبي صلى اللّه عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام . فلما ورد عليه كتابه غضب ومزّق الكتاب ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « اللهم مزّق ملكه كل ممزّق » .
ثم كتب كسرى إلى فيروز : اذهب إلى مكة فجئني بهذا العبد الذي دعاني إلى غير ديني ، وقدّم اسمه في الخطاب على اسمي . فجاء فيروز إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : إنّ ربي أمرني أن أحملك إليه . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إنّ ربي قد أخبرني أنه قتل ربّك البارحة . فأقم حتى تعلم . فإن كان ما قلت حقّا ، وإلا كنت من وراء أمرك . ففزع فيروز ، وهاب أن يقدم عليه .
ثم وردت الأخبار من كل ناحية بأن كسرى قد ثار عليه ابنه شيرويه ، فقتله تلك الليلة بعينها ، فأسلم فيروز ، وحسن إسلامه .
وقوله : فهذه دعائم المقالات : أي أصولها التي يعتمد عليها .
وقد قدّمنا في صدر كتابنا هذا اختلاف المتقدمين من العلماء والمتأخرين في أقسام [ 63 ] المعاني كم هي ؟ .
وقوله : فأسجح : أي ارفق وسهّل . ومنه قول عقيبة الأسدي : [ من الوافر ]
هامش
( 1 ) الحجر : 9 .
( 2 ) يوسف : 3 .
( 3 ) المؤمنون : 99 .
( 4 ) أخرجه مسلم في الفتن 76 ، والترمذي في الفتن 41 ، وأحمد في المسند 2 / 233 ، 240 ، 5 / 92 ، 99 .