ومما يحكى « 1 » عنه من تجنّبه الرّاء ، قوله وقد ذكر بشارا بن برد : ( أما لهذا الأعمى المشنّف المكنّى بأبي معاذ ، إنسان يقتله . أما واللّه لولا أن الغيلة خلق في أخلاق الغالية ، لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه ، ثم لا يكون إلا عقيليّا أو سدوسيّا ) . فقال :
« الأعمى » ولم يقل الضرير ، ولا بشار بن برد . وقال : « المشنّف » ولم يقل المرعّث ، وبذلك كان يلقّب . وقال : « إنسان » ولم يقل رجل . وقال : « الغيلة » ولم يقل الغدر ، وهما سواء .
وقال : « الغالية » ولم يقل المنصورية ولا المغيرية « 2 » . وقال : « لبعثت » ولم يقل لأرسلت .
وقال : « من يبعج بطنه » ولم يقل يبقر . وقال : « على مضجعه » ولم يقل على فراشه .
وقال « 3 » الجاحظ عن قطرب : أنشدني ضرار بن عمرو قول الشاعر في واصل بن عطاء : [ من البسيط ]
ويجعل البرّ قمحا في تصرّفه * وخالف الرّاء حتى احتال للشّعر
ولم يطق مطرا والقول يعجله * فعاذ بالغيث إشفاقا من المطر
وقال « 4 » : سألت عثمان البري : فكيف كان واصل يصنع في العدد عشرة ، وعشرين وأربعين ؟ وكيف كان يصنع بالقمر ، ويوم الأربعاء ، وشهر رمضان ؟ وكيف كان يصنع بالمحرم وصفر ، وربيع الأول ، وربيع الآخر ، ورجب ، فقال : ما لي فيه قول إلا ما قال صفوان :
[ من البسيط ]
ملقّن ملهم فيما يجادله * جم خواطره جوّاب آفاق
وهذه الألفاظ كلها يمكن أن تبدّل بألفاظ أخر ، لا راء فيها . ولا يتعذر على من كان له بصر باللغة . فإنك لا تكاد تجد لفظة فيها راء ، إلا وتجد لفظة أخرى في [ 58 ] معناها لا راء فيها ، لأن العرب توسعت في لغتها ، ما لم تتوسع أمّة من الأمم ، حتى إنك تجدهم قد جعلوا للشيء الواحد عشرة أسماء ، وعشرين ، وأكثر من ذلك . فقد قيل : إن الأسد له مائة اسم ، وكذلك الحمار . وأن للداهية أربعمائة اسم . ولذلك قال علي بن حمزة : من الدواهي كثرة أسماء الدواهي .
هامش
( 1 ) الخبر الذي سيعرضه المؤلف ورد في البيان والتبيين 1 / 16 - 17 ، والكامل 1111 ، ولواصل بن عطاء خطبة شهيرة تجنب فيها الراء ، انظر هذه الخطبة في نوادر المخطوطات 1 / 134 - 136 .
( 2 ) الغالية والمنصورية والمغيرية من فرق الشيعة . انظر مقالات الإسلاميين 5 - 24 .
( 3 ) البيتان التاليان أنشدهما الجاحظ في البيان والتبيين 1 / 21 ، ولم ينسبهما لقائل .
( 4 ) الخبر مع بيت الشعر في البيان والتبيين 1 / 22 .