تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإقتضاب في شرح أدب الكتاب — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
ويكون قد جعل المصدر بمعنى المفعول ، كما قالوا : درهم ضرب الأمير . أي مضروبه . فكأنّه قال : ويرونه متلوّ المقدار ، أي يرونه الشيء الذي يتلوه المقدار . ولقائل أن يقول : إنّ قيمة الإنسان لما كانت مرتبطة بعلمه ، صار علمه أيضا مرتبطا بقيمته ، كالشيئين المتلازمين ، اللذين يوجد كل واحد منهما بوجود الآخر ، فصار كل واحد منهما تبعا للآخر من هذه الجهة ، وإن لم يكونا كذلك من جهة أخرى . وقوله : وقد قال الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « إن أبغضكم إليّ الثّرثارون المتفيهقون المتشدّقون » « 1 » . هذه الألفاظ كلها : يراد بها المتنطّعون في الكلام ، المكثرون . فاشتقاق الثّرثارين من قولهم : عين ثرثارة : إذا كانت كثيرة الماء ، وضرع ثرثار : إذا كان غزير اللبن . قال الراجز يصف ناقة : [ من الرجز ]
لشخبها في الصحن للإعشار * بريرة كصخب المماري
واشتقاق المتفيهقين من قولهم : فهق الغدير يفهق : إذا امتلأ ماء ، فلم يكن فيه موضع مزيد . قال الأعشى : [ من الطويل ]
نفى الذّمّ عن رهط المحلّق جفنة * كجابية الشّيخ العراقيّ تفهق « 2 »
واشتقاق المتشدقين ؛ من الشّدقين ، يراد به الذين يفتحون أشداقهم بالقول . يقال : رجل أشدق : إذا كان واسع الشّدقين ، جهير المنطق ، متنطّعا في الكلام . وبه سمي عمرو بن سعيد ، الأشدق « 3 » . وفيه يقول القائل : [ من الطويل ]
تشادق حتى مال بالقول شدقه * وكلّ خطيب لا أبا لك أشدق « 4 »
وقد جاء في بعض الحديث : « قيل يا رسول اللّه ، وما المتفيهقون ؟ قال : المتكبّرون » [ 56 ] هذا غير خارج عما قاله أهل اللغة ، لأن المتكبّر المعجب بنفسه ، يدعوه إعجابه بنفسه وتكبّره ، إلى التّنطّع في كلامه . وقوله : ونستحبّ له إن استطاع أن يعدل بكلامه عن الجهة التي تلزمه مستثقل الإعراب ، يقول : لا ينبغي للمتأدّب أن يستعمل في كلامه مع عوامّ الناس الإعراب
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في كتاب البرّ 4 / 370 ، وأحمد في المسند 4 / 193 - 194 ، 2 / 369 . ( 2 ) ديوان الأعشى ص 275 ، واللسان 10 / 64 ( حلق ) ، 10 / 314 ( فهق ) ، 14 / 129 ( جبى ) ، وتهذيب اللغة 5 / 404 ، ومقاييس اللغة 1 / 503 ، 456 ، ومجمل اللغة 4 / 67 ، والتاج ( فهق ) ( جبى ) ، والكامل ص 9 ، 988 ، وبلا نسبة في المخصص 10 / 50 . ( 3 ) وقيل : بل كان أفقم مائل الذقن . البيان والتبيين 1 / 315 . ( 4 ) البيت بلا نسبة في البيان والتبيين 1 / 121 ، 316 .
الإقتضاب في شرح أدب الكتاب — صفحة 88 | محمد باسل عيون السود / عبد الله بن محمد البطليوسي