تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإقتضاب في شرح أدب الكتاب — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
وقوله : ويتنافسون في العلم : المنافسة : أن تشتدّ رغبة الرجل في الشيء حتى يحسد غيره عليه أو يغبطه . وهي مشتقّة من النّفس ، يراد ميل النفس إلى الأمر وحرصها عليه . قوله : ويرونه تلو المقدار : التّلو : التابع . فإذا قلت : « تلو » بفتح التاء ، فهو المصدر من تلوته أتلوه . والمقدار هاهنا : بمعنى القدر الذي يراد به القضاء السابق . ومعنى كون العلم تبعا للمقدار ، أنّ اللّه تعالى قدّر في سابق علمه ، أن يكون العلم عزّا لصاحبه وشرفا . والجهل ذلّا ومهانة ، فيه النجاة ، وبعدمه الهلاك . وإنما أخذ هذا من قوله صلى اللّه عليه وسلم : « ما استرذل اللّه عبدا إلا حظّر عليه العلم والأدب » . وقد ألمّ أبو الطيّب المتنبي بنحو هذا المعنى في قوله : [ من المتقارب ]
كأنّ نوالك بعض القضاء * فما تعط منه نجده جدودا « 1 »
ويجوز أن يريد بالمقدار ؛ قيمة الإنسان . كما يقال : ما لفلان عندي قدر ، ولا قدر ، ولا مقدار ، أي قيمة . فيكون مثل قول علي رضي اللّه عنه : « قيمة كل امرئ ما يحسن » . فإن قال قائل : كان ينبغي على هذا التأويل الثاني أن يقول : ويرون المقدار تلو العلم لأن قيمة الرجل هي التابعة لعلمه . فالجواب أنّ هذا التأويل يصح على وجهين : أحدهما : أن يريد مقدار الإنسان عند اللّه تعالى ؛ أي أنّ اللّه تعالى يهب له من العلم بحسب مكانته عنده . وهذا نحو مما ذكرناه من قوله صلى اللّه عليه وسلم : « ما استرذل اللّه عبدا [ 55 ] إلا حظّر عليه العلم والأدب » . فيكون راجعا إلى المعنى الأول . والوجه الثاني : أن يريد مقداره عند الناس ، فيكون على هذا الوجه قد أجرى الاسم الذي هو « التّلو » مجرى المصدر ، الذي هو « التّلو » . كما أجرى القطاميّ العطاء مجرى الإعطاء في قوله : [ من الوافر ]
وبعد عطائك المائة الرّتاعا « 2 »
هامش
( 1 ) ديوان المتنبي بشرح العكبري 1 / 368 . ( 2 ) صدر البيت : ( أكفرا بعد ردّ الموت عني ) ، وهو للقطامي في ديوانه ص 37 ، وتذكرة النحاة ص 456 ، وخزانة الأدب 8 / 136 ، 137 ، والدرر 3 / 62 ، وشرح التصريح 2 / 64 ، وشرح شواهد المغني 2 / 849 ، وشرح عمدة الحافظ ص 695 ، واللسان 9 / 141 ( رهف ) 15 / 69 ( عطا ) ، ومعاهد التنصيص 1 / 179 ، والمقاصد النحوية 3 / 505 ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 2 / 411 ، وأوضح المسالك 3 / 211 ، والدرر 5 / 262 ، وشرح الأشموني 2 / 336 ، وشرح شذور الذهب ص 528 ، وشرح ابن عقيل ص 414 ، وعمدة الحفاظ 3 / 95 ( عطي ) ، واللسان 8 / 168 ( سمع ) ، 15 / 138 ( غنا ) ، وهمع الهوامع 1 / 188 ، 2 / 95 .