ويروى أنه دخل على المستعين وذيل قبائه « 1 » قد تخرّق ، فقال له المستعين : ما هذا يا شجاع ؟ وكان يستظرف ما يأتي به . فقال : يا أمير المؤمنين ، داس الكلب ذنبي فخرقت قباءه . يريد دست ذنب الكلب فخرق قبائي . ومدحه بعض الشعراء ، فقال في مدحه :
[ من الوافر ]
أبو حسن يزيد الملك حسنا * ويصدق في المواعد والفعال
جبان عن مذلّة آمليه * شجاع في العطيّة والسّؤال
فقال له : وما يدريك ويلك أني جبان ؟ فقال : إنما قلت أعزّك اللّه إنك جبان عن البخل ، لا جبان عن الأعداء . وهذا من أحسن المدح ، واستشهد بمن حضر ، فشهدوا له [ 28 ] فقال : إنما تزيّنون ما أتى به ، فأنا أعطيه لمكانكم ورعايتكم ، لا لشعره ، لأنه قد هجاني ، وأمر له بصلة .
ومدحه بعض الشّطّار « 2 » بشعر يقول فيه : [ من الطويل ]
شجاع لجاع كاتب لاتب معا * كجلمود صخر حطّه السّيل من عل « 3 »
خميص لميص مستمرّ مقدّم * كثير أثير ذو شمال مهذّب
فطين لطين آمر لك زاجر * حصيف لطيف حين يخبر يعلم
بليغ لبيغ كلّما شئت قلته * لديه وإن تسكت عن القول يسكت
أديب لبيب فيه عقل وحكمة * عليم بشعري حين أنشد يشهد
كريم حليم قابض متباسط * إذا جئته يوما إلى البذل يسمح
وأعطى هذا الشعر لرجل طالبيّ ، فلقي به شجاعا وهو على قارعة الطريق ، وحوله الناس ، فاستوقفه وأنشده إياه ، فضحك وشكره ، ودخل إلى المستعين فرغب إليه في أمره ، فأعطاه عشرة آلاف درهم صلة ، وأجرى له ألف دينار راتبا في الشهر .
وقوله : ومن قول آخر في وصف برذون أهداه : « وقد بعثت به إليك أبيض الظّهر والشّفتين » . فقيل له : لو قلت أرثم ألمظ .
هذا الكاتب « 4 » الثالث لا أعلم من هو « 5 » .
هامش
( 1 ) القباء : ضرب من الثياب ، يجمع على أقبية .
( 2 ) الشطّار : جمع شاطر ؛ وهو الذي أعيا أهله ومؤدبه خبثا ، وتباعد عن الاستواء .
( 3 ) عجز البيت لامرئ القيس من معلقته في ديوانه ص 19 ، وصدره : ( مكر مفر مقبل مدبر معا ) .
( 4 ) في « ط » : ( الكتاب ) .
( 5 ) وكذا قال الجواليقي في شرح أدب الكاتب ص 51 .