وقوله : من موقف رجل من الكتّاب : قال ابن القوطية : هذا الرجل هو محمد بن الفضل ، وهذا غلط ، لأن محمد بن الفضل ، إنما وزر للمتوكل وكان شاعرا كاتبا حلو الشمائل عالما بالغناء ، وولي الوزارة أيضا في أيام المستعين . والخليفة المذكور هاهنا إنما هو المعتصم .
وقال أبو علي البغدادي : هذا الكاتب هو أحمد بن عمار « 1 » . وكذا قال الصولي .
وقد قيل : هو الفضل بن مروان . والمشهور أنه أحمد بن عمار ، وكان وزير المعتصم . وكان الفضل بن مروان هو الذي عني به ، حتى استوزره المعتصم .
وكان الفضل بن مروان وأحمد بن عمار [ 26 ] ، لا يحسنان شيئا من الأدب . وكان عمار طحانا من أهل المذار « 2 » ، ولذلك قال فيه بعض الشعراء : [ من السريع ]
لا يعمر الرّحمن ملك امرئ * يقيمه رأي ابن عمّار
ما يفرق الطّحّان من جهله * ما بين إيراد وإصدار
وقال رجل من الشعراء يقال له أبو شبل عاصم بن وهب البرجميّ ؛ يهجوه ويهجو الفضل بن مروان ، لاصطناعه إياه ، وسعايته له حتى صار وزيرا : [ من البسيط ]
ما ذا احتملناه للفضل بن مروان * أباده اللّه من ظلم وعدوان
حتى مضت ظلما أيّام دولته * لم يتّضح بدجاها ضوء إنسان
أبقى دليلا عليه في عماوته * كما استدلّ على أصل بأغصان
مثلان في العيّ لم ينهضها أدب * مستحوذان على جهل شبيهان
لولا الإمام أبو إسحاق إنّ له * عناية بالقصيّ الدّار والدّاني
لأصبح النّاس فوضى لا نظام لهم * ولم يدلّ على حقّ ببرهان
فيقال : إن المعتصم لما قرأ هذا الشعر ضحك ، وعزل أحمد بن عمّار .
ويروى أنّ المعتصم ، وهو محمد بن هارون الرشيد ، ويكنى أبا إسحاق ؛ كان قليل البضاعة من الأدب . ويزعمون أنّ أباه كان عني بتأديبه في أول أمره ، فمرت به جنازة لبعض الخدم فقال : ليتني كنت هذه الجنازة لأتخلص من همّ المكتب ، فأخبر بذلك أبوه ، فقال : واللّه لا عذّبته بشيء يختار الموت من أجله ، وأقسم ألا يقرأ طول حياته .
هامش
( 1 ) في شرح أدب الكاتب للجواليقي ص 50 : ( هو أحمد بن عمار بن شاذي المذاري ، ويكنى أبا العباس وكان ولي العرض للمعتصم بعد الفضل بن مروان ، ولم يكن وزيرا ، إنما كان الفضل قد اصطنعه لنفسه ) .
( 2 ) المذار : بلد بين واسط والبصرة . وفي « ط » : ( المزار ) تحريف .