فلما صارت إليه الخلافة ، واتخذ أحمد بن عمار وزيرا ، ورد عليه كتاب عامل الجبل . يذكر فيه خصب السنة ، وكثرة الغلّات ، وأنهم مطروا مطرا كثر عنه الكلأ . فقال لابن عمار : ما الكلأ ؟ فتردّد في الجواب ، وتعثّر لسانه ، ثم قال : لا أدري . فقال المعتصم :
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
« 1 » أخليفة أمّيّ ، وكاتب أمّيّ ؟ ثم قال : أدخلوا عليّ من يقرب منا من الكتّاب فعرّف مكانة محمد بن عبد الملك الزّيّات من الأدب ، وكان يتولى قهرمة « 2 » الدار ، ويشرف على المطبخ ، ويقف في الدار وعليه درّاعة [ 27 ] سوداء فأمر بإدخاله عليه وقال له : ما الكلأ ؟ فقال : النبات كله رطبه ويابسه ، والرّطب منه خاصّة ، يقال له : خلا واليابس منه : يقال له حشيش ، ثم اندفع يصف له النبات من حين ابتدائه إلى حين اكتهاله إلى حين هيجه « 3 » ، فاستحسن المعتصم ما رأى منه ، وقال : ليتقلّد هذا الفتى العرض عليّ ، فكان ذلك سبب ترقّيه إلى الوزارة .
وكان لمحمد بن عبد الملك حظّ وافر من الأدب والنظم والنثر ، وكان أبوه إذا رأى جدّه في القراءة ، لامه على ذلك ، وقال له : ما الذي يجدي عليك الأدب ؟ ولو تحرّفت في بعض الصناعات ، لكان أجدى عليك ، إلى أن امتدح الحسن بن سهل فأعطاه عشرة آلاف درهم ، فقال له أبوه : واللّه لا ألومك أبدا . ولما وصله الحسن قال : [ من البسيط ]
لم أمتدحك رجاء المال أطلبه * لكن لتلبسني التّحجيل والغررا « 4 »
ما كان ذلك إلا أنني رجل * لا أقرب الورد حتى أعرف الصّدرا
وقوله : ومن مقام آخر في مثل حاله : هذا الكاتب الثاني هو شجاع بن القاسم ، كاتب أوتامش التّركيّ ، وكان يتولّى عرض الكتب على المستعين : أحمد بن محمد المعتصم ، وكان جاهلا لا يحسن القراءة ، إلا أنه كان ذكيّا ، تقرأ عليه عشرة كتب ، فيحفظ معانيها ، ويدخل إلى المستعين يسامره فيها ، ولا يغلط في شيء منها .
« * » وكان يصوّر له الحرف فيكتب مثاله ؛ فقرأ على المستعين كتابا كلّفه قراءته وكان فيه : « حاضر طيّئ » ، وطيّئ قبيلة من قبائل اليمن ، وحاضرهم من حضر منهم ، فصحفه وقال : « جاء ضرطي » والضّرط : لغة في الظرط . فضحك المستعين « * » .
هامش
( 1 ) البقرة : 156 .
( 2 ) القهرمان : هو كالخازن والوكيل الحافظ لما تحت يده والقائم بأمور الرجل . أو هو من أمناء الملك وخاصته .
( 3 ) هاج البقل : يبس واصفرّ وطال .
( 4 ) البيتان مطلع قصيدة في ديوانه ص 35 .
* سقط ما بين النجمتين من « ط » .