والثاني : أن أصله « أوان » . واختلفوا في تعليله ، فقال بعضهم : حذفت الألف منه ، وقلبت الواو ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها .
وقال بعضهم : بل قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها . فاجتمعت ألفان ساكنتان ، فحذفت الثانية منهما لالتقاء الساكنين . وكانت أولى بالحذف لأنها زائدة .
وأما العلة الموجبة لبنائه ، فاختلفوا فيها أيضا . فقال سيبويه وأصحابه : إنما بني « الآن » وفيه الألف واللام ، لأنه ضارع المبهم المشار إليه ، وذلك أن سبيل الألف واللام أن تدخلا لتعريف العهد ؛ كقولك : جاءني الرجل . أو لتعريف الجنس كقولك : قد كثر الدّرهم والدّينار . فلست تقصد إلى درهم بعينه ، ولا دينار بعينه ، وإنما تريد الجنس كلّه .
أو لتعريف الأسماء التي غلبت على شيء ، فعرف بها ، كالحارث والعباس والدّبران والسّماك « 1 » ، فلو دخلت الألف واللام « الآن » على غير هذه السبيل [ 22 ] لأن الآن إنما هو إشارة إلى الوقت الحاضر خالف نظائره فبني .
وقال قوم : إنما بني لأنه وقع من أول وهلة « 2 » معرفة بالألف واللام . وسبيل ما تدخل عليه الألف واللام أن يكون نكرة ، ثم يعرّف بهما . فلما خرج عن نظائره بني .
وكان الفارسي يقول : إنه معرّفة بلام مقدرة فيه غير اللام الظاهرة ، وإنه بني لتضمّنه معنى اللام ، كما بني أمس .
وكان الفرّاء يزعم أنه في الأصل فعل ماض من قولك : آن الشيء يئين ، أدخلت عليه الألف واللام ، وترك على فتحه محكيّا « 3 » ، كما روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه « نهى عن قيل وقال » « 4 » . فأدخل حرف الجرّ على الفعلين الماضيين وحكاهما .
هامش
( 1 ) انظر الكتاب لسيبويه 2 / 196 . وفي اللسان ( دبر ) 4 / 271 : ( ابن سيده : الدبران نجم يدبر الثريا ، لزمته الألف واللام لأنه جعلوه الشيء عينه ) ، والدبران : نجم بين الثريا والجوزاء ويقال له التابع والتوبيع وهو من منازل القمر . وقال الجوهري : الدبران : خمسة كواكب من الثور ؛ يقال إنه سنامه ، وهو من منازل القمر . والسماكان : هما السماك الأعزل والسماك الرامح ، وهما نجمان نيران في برج الميزان .
( 2 ) يقال : لقيته أول وهلة وواهلة ؛ أي أول شيء ، وقيل هو أول ما تراه . وأصل الوهلة : المرة من الفزع أي أول فزعة فزعتها من إنسان .
( 3 ) ورد قول الفراء في شرح المفصل 4 / 103 ، والمؤلف هنا اقتضب قول الفراء .
( 4 ) قيل وقال : الاشتغال بما لا يعني من أقاويل الناس . والحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الزكاة ، حديث رقم 1407 : ( إن اللّه كره لكم ثلاثا : قيل وقال ، وإضاعة المال ، وكثرة السؤال ) ، وأعاده في كتاب الاستقراض حديث رقم 2277 .