فالآن الذي يقال على الحقيقة ؛ لا يمكن أن يقع فيه فعل ولا حركة على التمام ، لأنه ينقضي أوّلا فأوّلا ، وليس بثابت . إنما هو شبيه بالماء السّيّال الذي يذهب جزءا بعد جزء فإن الزمان الذي ينطق فيه بالجيم من جعفر ، لا يلبث حتى يجيء الزمان الذي ينطق فيه بالعين والزمان الذي ينطق فيه بالعين ، لا يلبث حتى يجيء الزمان الذي ينطق فيه بالفاء . بل يذهب كل زمان منه ويعقبه « 1 » الآخر ، فلا يرد الثاني ، إلا وقد صار الأول ماضيا . ولهذا جعلوه كالنقطة التي لا بعد لها .
وأنكر قوم وجوده ، وقالوا : إنما الموجود الماضي والمستقبل ، وأما الزمان فلا وجود له . وهذا غلط أو مغالطة ، لأنّ قصر مدّته ، لا يخرجه عن أن يكون موجودا ، بل هو الموجود على الحقيقة ، ولو لم يوجد زمان حاضر لما كان شيء موجودا ، لأن وجود الأشياء مرتبط بوجود [ 21 ] الزمان . فلا يصحّ أن يوجد شيء من الأجرام في غير زمان . وإنما شرطنا الأجرام ، لأن الأشياء المعقولة « 2 » ، التي لا تقع تحت « 3 » الحواس ، وليست بأجرام لا توصف بالوقوع تحت الزمان ، وإنما توصف بأنها واقعة تحت الدهر ، وأما البارئ تعالى فليس بواقع تحت دهر ولا زمان . فهذا هو « الآن » على الحقيقة .
وأما « الآن » الذي يستعمل على المجاز ، فهو الذي يستعمله الجمهور ، وهو المستعمل في صناعة النحو . فإنهم يجعلون كل ما قرب من الآن الذي هو كالنقطة من الماضي والمستقبل آنا . فلذلك يقولون : هو خارج الآن . وأنا أقوم الآن . لأن الآن الذي بهذه الصفة ، هو الذي يمكن أن تقع فيه الأفعال والحركات على الكمال . فهذان المعنيان هما المراد بالآن عند المتقدّمين .
فأما أهل صناعة النحو العربيّ ، فلهم في اشتقاقه والسبب الموجب لبنائه على الفتح كلام طويل . فأما اشتقاقه ففيه قولان :
أحدهما أن يكون مشتقّا من آن الشيء يئين : إذا حان ، فالألف فيه على هذا منقلبة عن واو ، كالألف التي في باب ودار ، لأن آن يئين ، الذي بمعنى حان ، من ذوات الواو عندنا . وقد قيل : إنه من ذوات الياء . وسنتكلم عليه إذا انتهينا إلى موضعه إن شاء اللّه تعالى .
هامش
( 1 ) في « ط » : ( زمان أو يعقبه ) .
( 2 ) في « ط » : ( المفعولة ) .
( 3 ) في « ط » : ( بحسب ) .