وأما الاقتصار على الشيء ، فنحو رجل سمعته يقول : زيد شجاع وكريم وعالم ، فتقول : إنما هو شجاع . أي ليس له من هذه الصفات الثلاث غير الشجاعة .
وتستعمل « إنما » أيضا في ردّ الشيء إلى حقيقته ، إذا وصف بصفات لا تليق به كقوله [ 18 ] جل جلاله :
إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ
« 1 » ، وقوله عزّ وجل :
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
« 2 » ، وهذا راجع إلى معنى الاقتصار . وذكر الكوفيون أنها تستعمل بمعنى النفي واحتجّوا بقول الفرزدق : [ من الطويل ]
أنا الضّامن الرّاعي عليهم وإنما * يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي « 3 »
قالوا معناه : ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا أو مثلي .
والذي أراده ابن قتيبة من هذه المعاني الثلاثة هاهنا ، معنى التّحقير والتّقليل لأنه احتقر ما جاءوا به ولم يره شيئا . ألا تراه قد قال : مع هذيان كثير ، فجعله كله هذيانا .
وهذا ظريف جدّا . لأنّا لا نعلم خلافا بين المتقدمين والمتأخّرين من أصحاب الكلام ، أن الجوهر يقوم بنفسه ، والعرض لا يقوم بنفسه ، وكذلك رأس الخطّ النّقطة ، والنّقطة لا تنقسم ، كلام صحيح لا مطعن فيه . وهذا يدل على أنه كان غير بصير بهذه الصناعة ، لأنه عابهم بما هو صحيح وإن كان ينبغي أن يذكر مذاهبهم المخالفة للحق ، المجانبة للصدق ، كما فعل المتكلمون من أهل ملّتنا رحمهم اللّه .
وقد روى أن الذي دعاه إلى الطّعن عليهم في كتابه هذا ، أنه كان متّهما بالميل إلى مذاهبهم واعتقادهم . فأراد رحمه اللّه أن ينفي الظّنّة عن نفسه يثلبهم والطّعن عليهم .
والكلام في الجوهر على حقيقته وفي العرض كلام فيه غموض . وأقرب ما يمثّل به للمبتدئ بالنظر أن يقال : الجوهر : هو الجسم ، كالإنسان والفرس والحجر ونحو ذلك .
وأعراضه : أحواله وصفاته المتعاقبة عليه كالألوان : من بياض ؛ وسواد ؛ وحمرة ؛ وصفرة ، والحركات المختلفات ؛ من قيام وقعود واضطجاع وجميع ما عدا الجوهر فاسم العرض واقع
هامش
( 1 ) النساء : 171 .
( 2 ) الكهف : 110 .
( 3 ) ديوان الفرزدق 2 / 153 ، وتذكرة النحاة ص 85 ، والجنى الداني ص 397 ، وخزانة الأدب 4 / 465 ، والدرر 1 / 196 ، وشرح شواهد المغني 2 / 718 ، واللسان 15 / 200 ( قلا ) ، والمحتسب 2 / 195 ، ومعاهد التنصيص 1 / 260 ، ومغني اللبيب 1 / 309 ، والمقاصد النحوية 1 / 277 ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 2 / 111 ، 114 ، 7 / 242 ، وأوضح المسالك 1 / 95 ، واللسان 13 / 31 ( أنن ) ، وهمع الهوامع 1 / 62 ، والتاج ( ما ) .