و « الكأس » : الإناء بما فيه من الخمر . ولا يقال للإناء وحده دون خمر كأس ، كما لا يقال مائدة حتى يكون عليها طعام ، وإلا فهي خوان . ولا يقال قلم حتى يكون مبريا ، وإلا فهو قصبة وأنبوب « 1 » . وقد حكى يعقوب أنه يقال للإناء وحده كأس « 2 » .
وقوله : وأرفع درجات لطيفنا : أن يطالع شيئا من تقويم الكواكب ، وينظر في شيء من الفضاء « 3 » وحدّ المنطق . يريد باللطيف هاهنا : المتفلسف ، سمي لطيفا للطف نظره ، وأنه يتكلم في الأمور الخفية التي تنبو عنها أفهام العامة وكثير من الخاصة .
ويعني بالفضاء : الحكم بدلائل النجوم على ما يحدث من الأمور . وحدّ المنطق : كتاب يتخذه المتفلسف مقدّمة للعلوم الفلسفية ، كما يتخذ المتأدبون صناعة النحو مقدمة للعلوم الأدبية . وبينه وبين علم النحو مناسبة في بعض أغراضه ومقاصده .
وقوله : وفلان رقيق « 4 » : الرّقّة : ضدّ الخشونة في كل شيء . هذا أصلها . ثم تستعار « 5 » ، فتستعمل على ثلاث معان :
أحدها : الرّحمة والإشفاق ؛ ويقال : رقّت له نفسي ، يريدون بذلك ذهاب القسوة التي تضاهي الخشونة .
والثاني : حلاوة الشّمائل واللّياقة . يقال : رجل رقيق الحواشي ؛ يريدون بذلك ذهاب الجفاء والتّعجرف « 6 » عنه .
والثالث : الحسن والجمال . ولذلك قالوا لبائع الخدم : بائع الرقيق . وقد رواه قوم في أدب الكتاب : « وفلان [ 16 ] رفيق » بالفاء ، وهو مثل اللطيف . « * » ورأيت قوما من علماء عصرنا يروونه : « وفلان دقيق » ، ويذهبون إلى الدقّة « * » وهذا خطأ فاحش لأن العرب لا تقول رجل دقيق إلا للخسيس . وهو ضدّ قولهم : رجل جليل . ويقولون : فلان أدقّ من فلان : إذا كان أخس منه .
هامش
( 1 ) ذكر الثعالبي ذلك مع مسميات أخرى في فقه اللغة ص 15 ، ( الباب الثالث : في أشياء تختلف أسماؤها وأوصافها باختلاف أحوالها ) .
( 2 ) في كتابه الأضداد ص 200 : ( قال أبو عبيدة : الكأس : الإناء الذي يشرب فيه ، والكأس :
ما فيه من الشراب ) .
( 3 ) في أدب الكاتب ص 2 : ( القضاء ) .
( 4 ) جاء في أدب الكاتب ص 2 : ( وفلان دقيق النظر ) ، وجعلها البطليوسي هنا ( رقيق ) وسينبه إلى ذلك بعد قليل .
( 5 ) في « ط » : ( يتوسع فيها ) مكان ( تستعار ) .
( 6 ) العجرفة : الجفوة في الكلام والخرق في العمل والسرعة في المشي .
* سقط ما بين النجمتين من « ط » .