قال الشاعر : [ من الطويل ]
فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني * ولا تسقني بالأصغر المتثلّم « 1 »
وقوله : ونبذت الصّنائع ، وجهل قدر المعروف ، وماتت الخواطر : ونبذت أي تركت واطّرحت . والصنائع : جمع صنيعة ، وهي ما اصطنعت إلى الرجل من خير .
ويقال : فلان صنيعة لفلان ، أي يؤثره ويقرّبه . ويقال : قدر وقدر ، بسكون الدال وفتحها .
والمعروف : اسم واقع على كل فعل قد تعارفه الناس بينهم وألفوه . والخواطر : الأذهان ، واحدها : خاطر . وحقيقة الخاطر : ما يخطر ببال الإنسان من خير أو شر .
وقوله : وزهد في لسان الصّدق وعقد الملكوت : لسان الصدق : يستعمل على معنيين : أحدهما : قول الحق . والثاني : الثناء الحسن . قال اللّه عزّ وجل :
وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ
« 2 » وهو الذي أراده ابن قتيبة بقوله بعد هذا : « ويسعده بلسان الصّدق في الآخرين » .
فأما لسان الصدق المذكور في هذا الموضع ، فيحتمل أن يريد به قول الحقّ ، ويحتمل أن يريد أن الناس زهدوا فيما يبقى لهم من الثناء الجميل .
وكان الأخفش علي بن سليمان يروي : « وعقد الملكوت » ، بفتح العين ، وسكون القاف ، يجعله مصدر عقدت عقدا . وكان أبو القاسم الصائغ يرويه بضم العين ، وفتح [ 14 ] القاف يجعله جمع عقدة ، مثل غرفة وغرف .
وهكذا رواه أبو علي البغدادي وأبو بكر ابن القوطيّة . واسم العقدة في اللغة « 3 » :
الضّيعة يشتريها الرجل ، ويتخذها أصل مال . يقال اعتقد الرجل : إذا اتخذ أصل مال يتركه لعقبه . ويقال لها أيضا : نشب ، لأنها تمنع الإنسان الرحيل والانتقال فلا يبرح .
وتسمى أعمال البرّ والخير عقدا ، لأنها ذخائر يجدها الإنسان عند اللّه تعالى .
ويعتقد بها الملك عنده ؛ أي يستوجبه ويناله . والملكوت : الملك . أي زهد الناس في أعمال البرّ التي ينالون بها المراتب عند اللّه تعالى .
هامش
( 1 ) البيت للنعمان بن عدي في الاشتقاق ص 139 ، ومعجم البلدان ( ميسان ) ، والمعرب ص 145 ، واللسان 12 / 572 ( ندم ) ، وللنعمان بن نضلة في اللسان 14 / 137 ( جذا ) ، والأزهية ص 218 ، وبلا نسبة في اللسان 10 / 107 ( جسق ) .
( 2 ) الشعراء : 84 .
( 3 ) في اللسان ( عقد ) 3 / 299 : ( العقدة : الضيعة . والأرض الكثيرة الشجر ، وقيل : العقدة من الشجر : ما يكفي الماشية . والعقدة : بقية المرعى . . . . وقال ابن الأنباري : في قولهم لفلان عقدة العقدة عند العرب الحائط الكثير النخل ) .