وقوله : فأبعد غايات كاتبنا في كتابته : أن يكون حسن الخطّ قويم الحروف يريد أن الكاتب ينبغي أن تكون له مشاركة في جميع المعارف ؛ لأنه يشاهد مجالس الملوك التي يحضرها خواصّ الناس وعلماؤهم ، ويتحاورون فيها ، في أنواع المحاورة ، وأصناف المذاكرة .
فلشدة زهادة الناس في العلم ورغبتهم عنه قد صارت غاية الكاتب أن يحسّن الخطّ ، ويقيم حروف الكتابة ، فإذا صار في هذه المرتبة ، زها بنفسه ، وظنّ أنه فاق أبناء جنسه .
وقوله : وأعلى منازل أديبنا أن يقول من الشعر أبياتا في مدح قينة أو وصف كأس . يريد : أن الأدب له غرضان :
أحدهما : يقال له الغرض الأدنى .
والثاني : الغرض الأعلى .
فالغرض الأدنى : أن يحصل للمتأدّب بالنظر في الأدب والتّمهّر فيه قوة يقدر بها على النّظم والنثر .
والغرض الأعلى : أن يحصل للمتأدب قوة على فهم كتاب اللّه تعالى وكلام رسوله صلى اللّه عليه وسلم وصحابته . ويعلم كيف تبنى الألفاظ الواردة في القرآن والحديث بعضها على بعض . حتى تستنبط منها الأحكام ، وتفرع الفروع ، وتنتج النتائج ، وتقرن القرائن ، على ما تقتضيه مباني كلام العرب ومجازاتها ، كما يفعل أصحاب الأصول .
وفي الأدب لمن حصل في هذه المرتبة منه أعظم معونة على فهم علم الكلام وكثير من العلوم النظرية . فقد زهد الناس في علم الأدب ، وجهلوا قدر الفائدة الحاصلة منه ، حتى ظن المتأدب أنّ أقصى غاياته أن يقول أبياتا من الشعر .
[ 15 ] والشعر عند العلماء أدنى مراتب الأدب ، لأنه باطل يجلى في معرض حقّ وكذب يصوّر بصورة صدق . وهذا الذّمّ إنما يتعلق بمن ظنّ صناعة الشعر غاية الفضل ، وأفضل حلى أهل النّبل ، فأما من كان الشعر بعض حلاه ، وكانت له فضائل سواه ، ولم يتخذه مكسبا وصناعة ، ولم يرضه لنفسه حرفة وبضاعة ، فإنه زائد في جلالة قدره ، ونباهة ذكره .
و « أبيات » : تصغير أبيات . ويروى « أبياتا » على التكسير . والتصغير هاهنا :
أشبه بغرضه الذي قصده ، من ذم المتأدّبين .
و « القينة » : المغنّية . وقد قيل : إنه اسم يقع على كل أمة ، مغنّية كانت أو غير مغنية . واشتقاقها من قولهم : قنت الشّيء وقيّنته « 1 » : إذا زينته بأنواع الزينة . واقتانت الروضة : إذا ظهرت فيها أنواع الأزهار .
هامش
( 1 ) في « ط » : ( وقنيته ) بتقديم النون على الياء .