وأراد بالمجدودين : أهل الأموال والمراتب العالية في الدنيا ، وبالمحدودين : أهل [ 10 ] الأدب الذين حدّوا عن الرزق : أي منعوا منه .
واللام في قوله : « ليدخل في جملة المجدودين » تسمى لام العلة والسبب ؛ كالتي « 1 » في قولك : جئت لأضرب زيدا . كأنه قيل له : لم جئت ؟ أو توقع أن يطالب بالعلة الموجبة لمجيئه فقال : لأضرب زيدا .
يريد أنّ المتأدب قد اعتقد أنّ أهل الأدب محرومون محارفون عن الرزق ، فهو يتناسى الأدب فرارا من أن يدخل في جملتهم ؛ فيلحقه من حرفة الأدب ما لحقهم .
قوله : فالعلماء مغمورون : كان أبو علي يرويه بالرّاء ، وكان ابن القوطية يرويه بالزّاي ، ولكل واحدة من الروايتين معنى صحيح .
أما من رواه بالراء فهو من قولك : غمره الماء : إذا غطّاه ؛ ويقال : رجل مغمور :
إذا كان خامل الذّكر . يراد أنّ الخمول قد أخفاه ، كما يغمر الماء الشيء فيغيبه « 2 » . ومن رواه بالزاي فهو من قولك : غمزت الرجل : إذا عبته وطعنت عليه .
يريد أن العلماء يبدّعون ويكفّرون ، وينسب إليهم ما لعلّهم براء منه ، وقد قال علي رضي اللّه عنه : « الناس أعداء ما جهلوا » « 3 » . وقال الشاعر : [ من البسيط ]
والجاهلون لأهل العلم أعداء
ويروى أن بعض الجهّال شهد على رجل بالزندقة عند بعض الولاة ، فقال المشهود عليه : قرّره أصلحك اللّه على شهادته فقرّره « 4 » على شهادته ، فقال : نعم أصلحك اللّه هو قدريّ مرجئ رافضيّ ، يسب معاوية بن أبي طالب الذي قتل علي بن أبي سفيان .
فضحك الوالي وقال : يا ابن أخي ؛ واللّه ما أدري على أي شيء أحسدك ؛ أعلى حذقك بالمقالات ، أم على علمك بالأنساب . وأبطل شهادته ، وأمر بتخلية المشهود عليه .
وقوله : وبكرّة الجهل مقموعون : كرّة الجهل : دولته ، من قوله عزّ وجل :
ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ
« 5 » أي الدّولة . والكرّة أيضا : « فعلة » من كرّ عليه في الحرب يكرّ كرّا : إذا حمل عليه .
هامش
( 1 ) في « ط » : ( كما هي ) مكان ( كالتي ) .
( 2 ) في « ط » : ( فيغطيه ) .
( 3 ) هذا القول من الأمثال في جمهرة الأمثال 2 / 297 ، 303 ، وهو للإمام علي رضي اللّه عنه في التمثيل والمحاضرة 29 .
( 4 ) في « ط » : ( قدّره ) مكان ( فقدّره ) .
( 5 ) الإسراء : 6 .