تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإقتضاب في شرح أدب الكتاب — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
جرّ ، إنما يقال : الشيء يروقني . والمعنى : تروق كلّ أفنان . وإنما استعمل « على » هاهنا ، لأنها إذا راقتها ، كان لها فضل وشرف عليها . وقد يمكن في هذا البيت ، على رأي من ينكر الزيادة ، أن يقدر في الكلام محذوف ، كأنه قال : أبى اللّه إلا أنّ أفنان سرحة مالك . فيكون قوله « على كل أفنان » في موضع خبر « أنّ » ، كما يقال : أبى اللّه إلا أنّ فضل ربّي على كلّ فضل ، أي فوق كل فضل . فالأفنان على هذا القول : جمع فنن ، وهو الغصن . وعلى هذا القول الذي حكاه ابن قتيبة ؛ وهو قول يعقوب ؛ ينبغي أن يكون جمع فنّ ، وهو النوع ، كأنه قال : تروق كل أنواع العضاه . وقد يجوز أن يقدّر في صدر البيت من الحذف مثل ما قدرناه ، فتكون الأفنان : الأغصان . كما أنه يمكن في القول الثاني ، أن تكون الأفنان : الأنواع . ولا يحتاج إلى تقدير محذوف .

باب إدخال الصفات وإخراجها « 1 »

هذا الباب موقوف على السّماع ، ولا يجوز القياس عليه ، وإنما لم يجز أن يجعل مقياسا كسائر المقاييس ، لأنّ الفعل إنما يحتاج في تعدّيه إلى وساطة الحرف ، إذا ضعف عن التعدي إلى معموله بنفسه ، فتعدّيه بلا واسطة ، دليل على قوته ، وتعدّيه بواسطة ، دليل على ضعفه . فمن أجاز تعدّيه بنفسه تارة ، وتعديه بواسطة تارة ، من غير أن يكون بين الحالتين اختلاف ، كان كمن أجاز اجتماع الضّدّين . ولهذا والذي ذكرناه ، أنكر هذا الباب قوم من النّحويين واللغويين ودفعوه ، وتكلفوا أن يجعلوا لكل واحد من اللفظين معنى غير معنى الآخر ، فأفضى بهم الأمر إلى تعسف شديد . وإن ذهبنا إلى الكلام على كل لفظة من الألفاظ التي تضمنها هذا الباب ، على الرأيين جميعا ، طال ذلك جدّا ، واحتجنا إلى أن نتكلّف ما تكلّفه المنكرون له . ولكنّا نقول في ذلك قولا متوسطا بين القولين ، أخذا بطرف من كلا المذهبين ، ينتفع به من يقف على معناه ، ويستدل به على سواه ، إن شاء اللّه تعالى . اعلم أن العرب قد تحذف حروف الجر من أشياء هي محتاجة إليها ، وتزيدها في أشياء هي غنية عنها . فإذا حذفوا حرف الجر مما هو محتاج إليه ، فذلك لأسباب ثلاثة : أحدها : أن يكثر استعمال الشيء ، ويفهم الغرض منه والمراد ، فيحذف الحرف تخفيفا ، كما يحذفون غير ذلك من كلامهم ، مما لا يقدر المنكرون على أن يدفعوه ، كقولهم :
هامش
( 1 ) أدب الكاتب 549 - 551 .