والرابع : أن يحدث بزيادة الحرف معنى لم يكن في الكلام . وهذا النوع أظرف الأنواع الأربعة ، وألطفها ، مأخذا ، وأخفاها صنعة . ومن أجل هذا النوع ؛ أراد الذين أنكروا هذا الباب أن يجعلوا لكل معنى غير معنى الآخر ، فضاق عليهم المسلك ، وصاروا إلى التعسف .
وهذا النوع كثير في الكلام ، يراه من منحه اللّه طرفا من النظر ، ولم يمر عليه معرضا عنه . فمن ذلك قولهم : شكرت زيدا ، وشكرت لزيد ، يتوهم كثير من أهل هذه الصناعة أن دخول « اللام » ، هاهنا كخروجها ، كما توهم ابن قتيبة ويعقوب ، ومن كتبه نقل ابن قتيبة ما ضمنه هذا الباب . وليس كذلك ، لأنك إذا قلت : شكرت زيدا ، فالفعل متعد إلى مفعول واحد ، وإذا قلت : شكرت لزيد ، صار بدخول « اللام » متعديا إلى مفعولين ، لأن المعنى : شكرت لزيد فعله . وإنما يترك ذلك الفعل اختصارا . ويدلك على ظهور المفعول في قول الشاعر « 1 » : [ من الطويل ]
شكرت لكم آلاءكم وبلاءكم * وما ضاع معروف يكافئه شكر
ومن هذا النوع قولهم : كلت الطعام ، ووزنت الدراهم . فيعدونهما إلى مفعول واحد ، ثم يدخلون « اللام » فيعدونهما إلى مفعولين ، فيقولون : كلت الطعام لزيد ، ووزنت الدراهم لعمرو . وإذا قالوا : كلت لزيد ، ووزنت لعمرو ، فإنما يتركون ذكر المكيل والموزون [ 266 ] اختصارا . وكذلك إذا قالوا : كلت زيدا ووزنت عمرا ، حذفوا حرف الجر والمفعول الثاني اختصارا ، وثقة بفهم السامع .
وذكر ابن درستويه أن : « نصحت زيدا » . و « نصحت لزيد » من هذا الباب ، وأن « اللام » ، إنما تدخله لتعديه إلى مفعول آخر ، وأنهم إذا قالوا : « نصحت لزيد » ، فإنما يريدون : نصحت لزيد رأيي ، أو مشورتي ، فيترك ذكر المفعول اختصارا ، كما يتركون ذكره في قولهم : « شكرت لزيد » . وذكر أنه من قولهم « نصحت الثوب » : إذا خطته ، فكان معنى نصحت لزيد رأيي : أحكمته ، أي كما يحكم الثوب إذا خيط « 2 » . فعلى تلك الأوجه التي ذكرتها ينصرف هذا الباب .
مسألة « 3 » : وذكر في هذا الباب قول اللّه سبحانه وتعالى :
إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ
هامش
( 1 ) البيت بلا نسبة في تذكرة النحاة 474 .
( 2 ) انظر اللسان ( نصح ) ، وشرح الفصيح للزمخشري 231 « باب ما يقال بحروف الخفض » .
( 3 ) أدب الكاتب 551 .