وقال بعض أصحاب المعاني : إنما أراد منه أن يعطيه ما ذكر من الثمن مجموعا في عيبة مقروظة . وهذا التأويل أيضا يوجب أن تكون « على » غير مبدلة من شيء ، لأنّ الشيء إذا جعل في وعاء ، صار الوعاء عليه ، لأنه يحيط به من جهاته .
مسألة : وحكى عن أبي عبيدة أنه قال في قوله سبحانه وتعالى :
إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ
« 1 » أنّ معناه من الناس . وأنشد لصخر الغيّ « 2 » : [ من الوافر ]
متى ما تنكروها تعرفوها * على أقطارها علق نفيث
قال المفسر : إنما قال أبو عبيدة هذا ، لأنه يقال : اكتلت من زيد الطّعام ، أي سألته أن يكيله عليّ ، واكتال مني طعاما ، أي سألني أن أكتاله عليه ، فيستعملون « من » في البائع و « على » في المبيع منه . وجاز استعمال « على » هاهنا ، لأنّ معنى : « كال عليه » عرض عليه كيله . فكان يجب أن يقال في الآية : إذا اكتالوا من الناس ، لأن المراد : استدعوا منهم أن يكيلوا عليهم .
وأما هذا البيت ، فليس لصخر الغي « 3 » ، إنما هو لأبي المثلم الهذلي في شعر يخاطب صخرا الغي « 3 » . وهذا مما غلط فيه يعقوب فنقل ابن قتيبة كلامه ، ورواه يعقوب في كتاب المعاني : « متى أقطارها » وقال : [ 256 ] أراد من أقطارها . وحكى أنّ هذيلا تستعمل « متى » بمعنى « من » ، وفسره فقال : يريد كتيبة . أي متى ما تقولوا ما هذه ، فتشكوا فيها « 4 » ، تردّ عليكم فيها الدماء تنفثها نفثا . وكذلك قال السكريّ في أشعار الهذليين « 5 » : إنه يعني كتيبة .
وهذا التفسير ظريف ، لأنّ الشعر كله لا ذكر فيه للكتيبة . وسنتكلم في حقيقة معناه ، ونقول فيه ما يجب ، عند انتهائنا إلى الكلام في معاني الأبيات « 6 » ، إن شاء اللّه تعالى .
مسألة : وأنشد لامرئ القيس « 7 » : [ من الطويل ]
وهل يعمن من كان أحدث عهده * ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال
هامش
( 1 ) المطففين : 2 .
( 2 ) سيعاد البيت مع تخريج واف حيث سيشرحه ابن السيد ص 744 ، 736 .
( 3 ) في « ط » : ( الغنوي ) تحريف .
( 4 ) في « ط » : ( أي متى ما يقول ما هذه الكتيبة فتشكو فيها ) تحريف .
( 5 ) شرح أشعار الهذليين 263 .
( 6 ) انظر ما سيأتي ص 744 .
( 7 ) سيعاد البيت مع تخريج واف حيث سيشرحه ابن السيد ص 747 .