- مسألة : وأنشد في هذا الباب لأبي ذؤيب « 1 » : [ من الطويل ]
شربن بماء البحر ثم ترفّعت * متى لجج خضر لهنّ نئيج
[ 252 ] وقال : معناه شربن من ماء البحر .
ثم قال بعد هذا في باب زيادة الصفات « 2 » في قوله سبحانه وتعالى :
عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ
« 3 » : إن معناه يشربها . ولا أعلم من جعل « الباء » في الآية زائدة . وفي بيت أبي ذؤيب : بمعنى « من » . ولا فرق بين الموضعين . فإذا احتج له محتج بأنه لا يجوز تقدير زيادة « الباء » في البيت ، لأنه يصيّر التقدير : شربن ماء البحر ، وماء البحر لا يشرب كله ، إنما يشرب بعضه ، لزمه مثل ذلك في العين .
وأيضا ، فإنّ العرب تقول : أكلت الخبز ، وشربت الماء ، ومعلوم أنه لم يأكل جميع نوع الخبز ، ولم يشرب جميع نوع الماء ، وإنما مجاز ذلك على وجهين :
أحدهما : أنّ العموم قد يوضع موضع الخصوص ، كما يوضع الخصوص موضع العموم . والآخر : أنّ الأنواع والأجناس ، ليس لأجزائها أسماء تخصّها من حيث هي أجزاء ، إنما يسمّى كل جزء منها باسم جنسه أو نوعه ، فيقال لكل جزء من الماء ماء ، ولكل جزء من العسل عسل ، ونحو ذلك . ولا يحكم على « الباء » بالزيادة ، لأنها بدل في كل موضع ، ولكن لها مواضع مخصوصة ، سنذكرها إذا انتهينا إلى باب زيادة الصفات « 4 » ، إن شاء اللّه تعالى .
مسألة : وقال في هذا الباب « 5 » :
يقال : إنّ فلانا لظريف عاقل ، إلى حسب ثاقب : أي مع حسب .
قال المفسر : « إلى » و « مع » : تتداخلان في معنييهما ، فيوجد في كل واحدة منهما معنى صاحبتها ، لأنّ الشيء إذا كان مع الشيء ، فهو مضاف إليه ، وإذا كان مضافا إليه فهو معه . ألا ترى أنه إذا قال : فلان ظريف عاقل إلى حسب ، فمعناه أنّ له ظرفا وعقلا مضافين إلى حسب ثاقب ، وكذلك جميع ما ذكره في هذا الباب .
هامش
( 1 ) سيعاد البيت مع تخريج واف حيث سيشرحه ابن السيد ص 735 ، كما سيعيده ابن السيد في الصفحة 363 .
( 2 ) أدب الكاتب 547 .
( 3 ) الإنسان « الدهر » : 6 .
( 4 ) انظر ما سيأتي ص 359 - 363 .
( 5 ) أدب الكاتب 543 .