والمكانة ، وإن كان دونه في ما يحسّ ويرى . وكذلك قولهم : تقوّلت عليه في ما لم يقل ، إنما جاز استعمال « على » فيه ، لأنه إذا نسب إليه [ 251 ] القول ، فقد حمّله إياه ، وعصبه به .
والتحميل راجع إلى معنى العلوّ ، يدل على ذلك قولهم : هذا الأمر معصوب برأسه ، ومقلد من عنقه . ويوضح ذلك قول الشاعر « 1 » : [ من الطويل ]
وما زلت محمولا عليّ ضغينة * ومضطلع الأضغان مذ أنا يافع
ألا تراه قد جعل الضّغينة محمولة عليه ، كما يحمل الشيء على الظهر . وجعل نفسه مضطلعة بذلك ، كاضطلاع الحامل بحمله . وكذلك قولهم : كان ذلك على عهد كسرى ، إنما استعملت فيه « على » لأنه إذا كان في عهده ، فقد صار العهد متحملا له ، والشيء المتحمّل في الأمور المحسوسة ، من شأنه أن يكون عاليا على حامله .
ونبين ذلك ؛ وإن كان ما قدمناه يغني عنه ، نحو قولهم : اتصل بي هذا الأمر على لسان فلان . وقوله سبحانه وتعالى :
أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ
« 2 » أي على لسانه . وقولهم : تقلدت الأمر . ويقول المتضمن للشيء المتكفل به : هذا الأمر في عنقي وعليّ أن أقوم به . وهذا المعنى أراد الشاعر بقوله : [ من الخفيف ]
إنّ لي حاجة إليك ، فقالت : * بين أذني وعاتقي ما تريد
ومن ظريف هذا الباب قول ابن قيس الرّقيّات « 3 » : [ من الطويل ]
ألا طرقت من آل بثنة طارقه * على أنها معشوقة الدّلّ عاشقه
وأبين ما فيه : أن تكون « عاشقة » صفة ل « طارقة » على معنى التقديم والتأخير ، كأن قال : طارقة عاشقة ، على أنها معشوقة . وذلك أنّ من شأن المعشوق أن يعرض عن عاشقه ويهجره ، فيريد أنّ هذه الطارقة لا يمنعها معرفتها بعشق محبها لها أن تعشقه ، فهو من باب قولهم : زرته على مرضي ، وأكرمته على أنه أهانني .
فقس ما يرد عليك من هذا الباب على هذه الأمثلة ، فإنك تجده غير خارج عما وضعت عليه هذه اللفظة من معنى الإشراف ، حقيقة ومجازا ، إن شاء اللّه تعالى .
هامش
( 1 ) البيت للكميت بن معروف في ديوانه 173 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 221 ، والكتاب 2 / 54 ، وله أو لرجل من سلول في المقاصد النحوية 3 / 324 ، ولرجل من سلول في شرح شواهد الإيضاح 345 ، وبلا نسبة في الجنى الداني 504 .
( 2 ) الأعراف : 63 ، 69 .
( 3 ) ديوان عبيد اللّه بن قيس الرقيات 162 .