تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإقتضاب في شرح أدب الكتاب — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
ملكه . وكان ذلك على عهد فلان ، أي في عهده . قال المفسر : « في » و « على » يتداخل معنياهما في بعض المواضع ، فلذلك يقع بعضهما موقع [ 250 ] بعض ، لأنّ معنى « على » : الإشراف والارتفاع ، ومعنى « في » : الوعاء والاشتمال ، وهي خاصة بالأمكنة ، ومكان الشيء قد يكون عاليا مرتفعا ، وقد يكون متسفّلا منخفضا . ويدل على ذلك استعمالهم فوق وتحت في الظروف ، وأحدهما يدل على العلوّ ، والآخر على السّفل ، ومما يبين ذلك قول عنترة « 1 » : [ من الكامل ]
بطل كأنّ ثيابه في سرحة * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهو يريد : على سرحة ، لأنها إذا كانت عليها ، فقد صارت ظرفا لها . وأما قوله عزّ وجل :
وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ
« 2 » فقد يجوز أن يكون من هذا الباب ، وقد يمكن أن تكون « على » إنما استعملت هاهنا ، لأنّ معناه : أنهم تقوّلوا على ملك سليمان ما لم يكن فيه ، كما يقال : تقوّلت عليه ما لم يقل . ونحن نشرح أمر « على » هذه شرحا يدفع الإشكال عنها ، ويجعل مثالا يقاس عليه ما ورد في الكلام منها ، إنّ شاء اللّه . اعلم أن أصل « على » : العلوّ على الشيء وإتيانه من فوقه ، كقولك : أشرفت على الجبل ، ثم يعرض فيها إشكال في بعض مواضعها التي تتصرف فيها ، فيظنّ الضّعيف في هذه الصناعة أنها قد فارقت معناها . فمن ذلك قول القائل : زرته على مرضي ، وأعطيته على أن شتمني . وإنما جاز استعمال « على » هاهنا ، لأن المرض من شأنه أن يمنع من الزيارة . وكذلك الشّتم يمنع المشتوم من أن يعطي شاتمه شيئا . والمنع قهر للممنوع ، واستيلاء عليه ، فهي إذن لم تخرج عن أصلها بأكثر من أنّ الشيء المعقول ، شبه بالشيء المحسوس ، فخفي ذلك على من لا دربة له في المجازات والاستعارات . « * » ويدل على دخول معنى الاستعلاء في هذا قولهم : اجعل هذا الأمر تحت قدمك ، فيستعملون فيه لفظة التحت « * » . ومثل هذا قولهم : فلان أمير على البصرة . إنما المراد أنّه قد ملكها ، وصارت تحت حكمه ونظره . واستعمالهم لفظتي التّحت والفوق هاهنا يوضح ما قلناه . ألا تراهم يقولون : فلان تحت يد فلان ، وتحت نظره وإشرافه ، وهو فوقه في المنزلة
هامش
( 1 ) تقدم البيت ص 338 - 340 ، وسيعاد مع تخريج واف حيث سيشرحه ابن السيد ص 704 . ( 2 ) البقرة : 102 . * سقط ما بين النجمتين من « د » .
الإقتضاب في شرح أدب الكتاب — صفحة 351 | محمد باسل عيون السود / عبد الله بن محمد البطليوسي