استعمالهم الحرف الذي يتعدّى به أحد الضّدّين ، مكان الحرف الذي يتعدّى به ضدّه ، كاستعمالهم « على » التي يتعدّى بها السّخط ، مكان التي يتعدّى بها الرّضا في قوله « 1 » :
[ من الوافر ]
إذا رضيت عليّ بنو قشير * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويجوز أن يكون أراد : « يسقّى ابن أحمر ، فلا يروى ظمؤه إليّ » ، فترك ذكر الظمأ لما كان المعنى مفهوما ، وليس ينبغي لك أن تستوحش من تركه ذكر الفاعل ، لأنّه قد أقام الضمير الذي كان مضافا إليه مقامه ، فصار مستترا في الفعل . ألا ترى أنّ التقدير : فلا يروى هو . ويشبه هذا قولهم « 2 » : « هذا جحر ضبّ خرب » في أحد القولين . ألا ترى أن تقديره : خرب جحره ، فحذف الجحر ، الذي كان فاعلا ، وأقام الضمير الذي كان الجحر مضافا إليه مقامه ، فصار مستترا في خرب .
وقد [ 248 ] وجدناهم يحذفون الفاعل دون أن يقيموا أشياء مقامه ، اتكالا على ما فهم السامع ، كقوله جل جلاله :
حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ
« 3 » وقوله عنترة « 4 » : [ من الوافر ]
وأدفئه إذا هبّت شمالا * بليلا حرجفا بعد الجنوب « 5 »
وأنشد أبو عليّ البغدادي في نوادره « 6 » : [ من الطويل ]
سقى دمنتين ليس لي بهما عهد * بحيث التقى الدّارات والجرع الكبد « 7 »
وقال أبو الحسن الأخفش : إذا قلت : عجبت من ضرب زيد ، فالفاعل محذوف ، لعلم السامع ، وليس بمضمر في الضرب ، لأنّ المصادر أجناس ، والأجناس لا يضمر فيها .
هامش
( 1 ) تقدم البيت ص 338 - 340 ، وسيعاد مع تخريج واف ص 706 .
( 2 ) في كتاب سيبويه 1 / 436 : ( ومما جرى نعتا على غير وجه الكلام : « هذا جحر ضبّ خرب » ، فالوجه الرفع ، وهو كلام أكثر العرب وأفصحهم ، وهو القياس ، لأن « الخرب » نعت الحجر ، والجحر رفع ، ولكن بعض العرب يجره ، وليس بنعت للضب ، ولكنه نعت للذي أضيف إلى الضب ، فجرّوه لأنه نكرة كالضب ، ولأنه في موضع يقع فيه نعت الضب ، ولأنه صار هو والضب بمنزلة اسم واحد ) ، وانظر ما سيأتي ص 731 .
( 3 ) ص : 32 .
( 4 ) ديوان عنترة 34 .
( 5 ) أراد بقوله « أدفئه » : ما يسيل عليه من دم أعدائه السخن ، أو بكثرة كرّه وفرّه . بليلا : باردة مع ندى . الحرجف : الريح الباردة الشديدة الهبوب .
( 6 ) البيت بلا نسبة في أمالي القالي 1 / 54 .
( 7 ) الدارات والجرع : أسماء مواضع . الكبدة جمع كبداء وهي الرملة العظيمة .