قال المفسر : قد قال قبل هذا : إن قولهم « 1 » : رميت على القوس ، معناه : عن القوس ، و « أنّ على » بمعنى « عن » . ثم ذكر هاهنا أنّ « عن » بمعنى « الباء » ، فحصل من كلامه أنّ « على » بدل من « عن » ، و « عن » بدل من « الباء » ، فهي إذن بدل من بدل ، وهذا غير صحيح ، لأنّ « عن » في قولهم : « رميت عن القوس » ، ليست ببدل من شيء ، لأنّ معنى « عن » التجاوز ، كقولك : « خرجت عن البلد » . وهذا المعنى موجود في الرّمي ، لأنّ السهم يتجاوز القوس ، ويسير عنها . فهي على بابها . وكذلك قولهم :
« رميت بالقوس » ، ليست « الباء » فيه بدل من حرف آخر ، لأنه بمنزلة قولك : « رميت بالحجر زيدا » . والمعنى : رميت السهم بالقوس ، كما تقول : « دفعته عن نفسي بالسيف » .
وقد أنكر بعض اللغويين استعمال « الباء » هاهنا ، وقال : لا يجوز رميت بالقوس إلّا أن تلقيها عن يدك ، وإنما الصواب : رميت عن القوس « 2 » ، كما قال طفيل « 3 » :
[ من الطويل ]
رمت عن قسيّ الماسخيّ رجالنا * بأجود ما يبتاع من نبل يثرب
وإنما أنكر هذا المنكر ذلك ، لأنه توهّم قولهم : « رميت بالقوس » بمنزلة قولك :
« رميت بالشيء » : إذا ألقيته عن يدك . وليس المعنى على ما ظنّ ، إنما المعنى : رميت السهم بالقوس ، على ما ذكرناه .
وأما قوله في بيت امرئ القيس : إنه أراد : « بأسيل » ، فإنما يلزم ما قال ، إذا جعل « عن » متعلقة ب « تصدّ » ، على إعمال الفعل الأول . فكان يجب على هذا أن يقول :
تصدّ بأسيل ، كما تقول : صدّ بوجهه . وإذا جعلت « عن » متعلقة ب « تبدي » ، لم يلزم ما قال : لأنه يقول : أبديت عن الشيء : إذا أظهرته . قال عبد بني الحسحاس « 4 » يصف ثورا يحفر في أصل شجرة كناسا له : [ من الطويل ]
يهيل ويبدي عن عروق كأنّها * أعنّة خرّاز جديدا وباليا
[ 246 ] والوجه في هذا البيت أن يعمل الفعل الثاني ، ويجعل « عن » متعلقة به ، لأنه لو أعمل الأول ، للزمه أن يقول : تصد وتبدي عنه بأسيل ، لأنّ الفعل الأول إذا أعمل فحكم الفعل الثاني أن يضمر فيه .
هامش
( 1 ) أدب الكاتب 537 ، وتقدم استشهاد ابن السيد بهذا القول ص 343 .
( 2 ) في « ط » و « ع » : ( وإنما الصواب : بالقوس أن تلقيها ) .
( 3 ) البيت لطفيل الغنوي في ديوانه 31 ، والخصائص 2 / 307 ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة 1314 .
( 4 ) ديوان سحيم 29 ، وسيعاد البيت ص 714 .