فاللفظية كحملهم ( تعد ، ونعد ، وأعد ) على ( يعد ) في حذف الواو ، ونكرم ، وتكرم ، ويكرم ، على ( أكرم ) في حذف الهمزة ، وأما المعنوية فكقول أبي كبير الهذلي « 1 » : [ من الكامل ]
ما إن يمسّ الأرض إلّا منكب * منه وحرف السّاق طيّ المحمل
لأن قوله : « ما إن يمس الأرض إلا منكب منه وحرف الساق » يفيد أنّه طاو ، فأنابه لذلك مناب الفعل ، لو ذكره ، فصار كقوله : طوي طيّ المحمل ، ولهذا نظائر كثيرة في كلامهم ، فكذلك حملوا بعض هذه الحروف على بعض ، لتساوي المعاني وتداخلها .
فمن ذلك قوله سبحانه وتعالى :
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ
« 2 » ، وأنت لا تقول :
رفثت إلى المرأة ، إنما تقول : رفث بها ، أو رفث معها ، ولكن لما كان الرّفث بمعنى الإفضاء ، وكان الإفضاء يتعدى ب « إلى » ، كقولك : أفضى إليّ الشيء ، أجري الرّفث مجراه لفظا ، لموافقته له معنى . وكذلك قول القحيف العقيلي « 3 » : [ من الوافر ]
إذا رضيت عليّ بنو قشير * لعمرو اللّه أعجبني رضاها
إنما عدّى فيه رضي ب « على » لأنّ الرّضا بمعنى الإقبال . وقولك أقبلت عليه بودّي ، بمعنى رضيت عنه . وكان الكسائيّ يقول : حمله على ضده ، وهو سخطت ، لأنّ العرب قد تحمل الشيء على ضده ، كما تجعله على نظيره ، وكذلك قول الآخر « 4 » :
[ من الطويل ]
إذا ما امرؤ ولّى عليّ بودّه * وأدبر لم يصدر بإدباره ودّي
[ 242 ] إنما عدّى فيه ولّى ب « على » ، وكان القياس أن يعدّيها ب « عن » ، لأنّه إذا ولّى عنه بودّه ، فقد ضنّ عليه وبخل ، فأجرى التولّي بالود ، مجرى الضّنانة والبخل ، أو مجرى السخط ، لأنّ تولّيه عنه بودّه ، لا يكون إلا عن سخط عليه ، وكذلك قول عنترة « 5 » :
[ من الكامل ]
بطل كأنّ ثيابه في سرحة * . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هامش
( 1 ) البيت لأبي كبير الهذلي في شرح أشعار الهذليين 3 / 1074 ، وخزانة الأدب 8 / 194 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 324 ، وشرح التصريح 1 / 334 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 90 ، وشرح شواهد الإيضاح 147 ، وشرح شواهد المغني 1 / 227 ، وشرح المفصل 9 / 50 ، والكتاب 1 / 359 ، والمقاصد النحوية 3 / 54 ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 1 / 246 ، والإنصاف 1 / 230 ، وأوضح المسالك 2 / 224 ، والمقتضب 3 / 203 ، 232 .
( 2 ) البقرة : 187 .
( 3 ) تقدم البيت ص 338 .
( 4 ) تقدم البيت ص 338 .
( 5 ) تقدم البيت ص 338 .