ولا يمكن المنكرين لهذا أن يقولوا : إنّ هذا من ضرورة الشعر ، لأنّ هذا النوع قد كثر وشاع ، ولم يخصّ الشعر دون الكلام . فإذا لم يصحّ إنكار المنكرين له ، وكان المجيزون له لا يجيزون في كل موضع ، ثبت بهذا أنّه موقوف على السماع ، غير جائز القياس عليه ، ووجب أن يطلب له وجه من التأويل ، يزيل الشناعة عنه ، ويعرف كيف المأخذ فيما يرد منه ولم أر فيه للبصريين تأويلا أحسن من قول ذكره ابن جني في كتاب الخصائص « 1 » . وأنا أورده في هذا الموضع ، وأعضد بما يشاكله من الاحتجاج المقنع ، إن شاء اللّه تعالى .
اعلم أنّ الفعل إذا كان بمعنى فعل آخر ، وكان أحدهما يتعدى بحرف جر ، والثاني بحرف جر آخر « 2 » ، فإن العرب قد [ 241 ] تتسع ، فتوقع أحد الحرفين موقع صاحبه مجازا « 3 » ، وإيذانا بأنّ هذا الفعل في معنى ذلك الآخر « 4 » .
كما صحّحوا عور وحول ، إيذانا بأنهما « 5 » لما كانا في معنى اعورّ واحولّ واجتوروا بمعنى تجاوروا . وكما جاءوا بمصادر بعض الأفعال ، على غير ما يقتضيه القياس ، حملا لذلك الفعل على فعل هو في معناه كقوله « 6 » : [ من الوافر ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * وإن شئتم تعاودنا عوادا
وكان القياس تعاودا ، فجاء به على عاود ، إذ كان تعاود راجعا إلى معنى عاود « 7 » ؛ وكذلك قول القطامي « 8 » : [ من الوافر ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * وليس بأن تتبّعه اتّباعا
والقياس تتبعا ، ولكن لما كان « تتبع » يؤول إلى معنى « اتّبع » ، حمله عليه ، وكذلك وجدناهم يحملون الشيء على الشيء إذا كانت بينهما علاقة لفظية ، أو معنوية .
هامش
( 1 ) الخصائص 2 / 308 .
( 2 ) في الخصائص : ( وكان أحدهما يتعدى بحرف ، والآخر بآخر ) .
( 3 ) سقطت « مجازا » من الخصائص .
( 4 ) أغفل ابن السيد هنا حوالي أربعة أسطر مما ورد في الخصائص ، ووضعهم في موضع آخر في الصفحة التالية .
( 5 ) لم يرد في الخصائص : ( إيذانا بأنهما ) .
( 6 ) انظر تعليق ابن السيد على تتمة البيت ص 401 ، 800 .
( 7 ) عبارة ابن جني في تعليقه على الشطر السابق : ( لما كان التعاود أن يعاود بعضهم بعضا ) .
( 8 ) صدر البيت : ( وخير الأمر ما استقبلت منه ) ، وسيعاد مع تخريج واف حيث سيشرحه ابن السيد ص 799 .